آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

4/19/2015

من صفحة الدكتور محمد شحرور : حول موضوع الربا

الدكتور محمد شحرور

كتب الدكتور محمد شحرور على صفحته عبر الفيسبوك:

جواباً لسؤال بعض المعلقين حول موضوع الربا، نقول ذُكر الربا في اﻵية المحكمة {َأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة 275) وكل اﻵيات التي وردت حول الربا هي تفصيل لها.

ولتوضيح مفهوم الربا ومفهوم ما يسمى بالبنوك الإسلامية ورأيي فيها، أريد أن أشرح هذا بالمدخل التالي:

اعتمد الفقه الحنفي بشكل رئيسي على المنطق الصوري القائم على قاعدة واحدة، هي عدم وجود تناقض بين المقدمات والنتائج، بغض النظر عن الموضوع نفسه، حقيقياً كان أم وهمياً، أي كما يقولون: "المحافظة على الشكل بغض النظر عن المضمون حقيقي أم وهمي، صحيح أو غير صحيح". ومن هنا ظهرت ما تسمى "الحيل الشرعية".

وإليكم مثالاً فعلياً حصل في النصف الثاني من القرن الماضي في دمشق، صديقان يقومان بالتزاور بينهما، وحتى يدخل الصديق الأول على منزل صديقه بأي وقت وبدون حرج على زوجة الثاني، فيعقد اﻷول قرانه على ابنة الثاني البالغة من العمر سنتين، وبهذا تصبح زوجة الثاني حماة اﻷول وتدخل في محارمه وﻻ حرج عليه. ﻻحظوا كيف تمت المحافظة على الشكل بغض النظر عن المضمون وهذا ما يسمى علناً بالحيل الشرعية، التي برع فيها المذهب الحنفي، وقياساً على هذا المثال، نرى أن ما يسمى بالبنوك الإسلامية هي نفس البنوك الربوية العادية مع المحافظة على الشكل الشرعي في إدخال مفاهيم المرابحة والمشاركة وغيرها، واتخذت هذا الإسم للضحك على عقول الناس، كذلك هناك مصطلح (اﻷرآتيون) جاءت من كلمة (أرأيت لو أن)، ومثال عليها: أرأيت لو أن أحداً صلى على أرجوحة غير معلقة بالسقف وﻻ مستندة على اﻷرض هل تجوز صلاته؟
ونرى اﻵن في القضاء يقولون: "القضية مقبولة شكلاً ومرفوضة مضموناً" أو العكس.

وهكذا نفهم كيف عالجت البنوك الإسلامية موضوع الربا.

وننوه أن الرياضيات كلها تقوم على المنطق الصوري، وبذلك هي متقدمة دائماً على الفيزياء، والرياضيات هي العدم، أي عبارة عن داﻻت بدون مدلوﻻت.

واﻵن نشرح تفصيل الربا في التنزيل الحكيم:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (275 البقرة) هي الآية المحكمة في هذا الموضوع، أما تفصيل الربا فقد ورد في الآيات التالية:

-{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(البقرة 276)
-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ* وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة 278 - 279 – 280).

-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران 130)

-{وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم 39).

نلاحظ في هذه الآيات أنه قارن بين الربا والصدقات، وبين الربا والزكاة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نعطي الزكاة أو الصدقات لشركات النفط والسيارات؟ ومن هم أصحاب الصدقات؟ فأي إنسان لا يستطيع سداد قرض ولو بنسبة فائدة لا تتعدى واحداً بالألف فهذه الفائدة هي ربا، والسيئة هي ما يرتكبه الدائن وليس المدين.

ثم لنفرض أن إنساناً ما اقترض مالاً ودفع فائدة، ثم وقعت له عُسرة، فهل نضيق عليه ونطالبه بالقرض أم نرأف به؟ هذا ما ذكره التنزيل الحكيم في الآية {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي علينا النظر بعين الاعتبار للضائقة التي يعانيها، ولعلنا نتصدق بباقي المبلغ فلا نطالبه به.

والربا المحرم جاء لحماية الطرف الضعيف، الذي يستحق الصدقة، وهذا الربا موجود عبر التاريخ بأشكال مختلفة، والبنوك اليوم تعرف أن هناك حالات يعجز فيها المدين عن السداد، وبالتالي يدخل القرض تحت بند (الديون الميتة)، وإن سألنا البنوك عن (الديون الميتة) فستكون نسبتها ضئيلة، ومصدرها القروض التي لم يستطع أصحابها السداد.

أما تحديد من يعجز عن السداد ومن يخضع للصدقات فهو يخضع للشروط الموضوعية لكل بلد. وقيمة الفائدة تحدد من قبل أعلى سلطة في البلد، وتتنافس البنوك بتخفيض هذه الفائدة وتقديم التسهيلات.

ونقرأ قوله تعالى {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفة} ونفهم أن الربا المحرم أيضاً هو عندما تتراكم الفائدة فتصبح أضعاف مبلغ الدَين، وهذا ما كان سائداً قبل البعثة، حيث قد يصل الحال أن تتراكم الفوائد على المدين فيتم بيعه ويتحول إلى رقيق، وفي عصرنا، كنت قد سألت عدداً من البنوك: "هل يمكن أن تبلغ قيمة الفائدة ما يعادل القرض كله أم أقل؟" وكان الجواب أنه مهما طالت مدة القرض فبالكاد تصل الفائدة إلى قيمة المبلغ، لأن السداد يكون شهرياً.

وما أريد قوله للسادة القراء: عندما ظهر بند المعاملات في الفقه الإسلامي لم تكن البنوك قد وجدت بعد، وكان الاقتصاد يقوم على شخص أو أسرة، وكان ممكناً مشاركة شخص مع شخص آخر، وكانت العلاقات شخصية، فوضعوا حينها أصولاً تتناسب مع هذا الوضع الاقتصادي، أما بعد ظهور البنوك فقد تحققت صلة الوصل بين ملكية المال وإدارة المال، عبر أشخاص ذوي خبرة في السوق، في كافة مجالاته.

والأطروحة الفقهية (كل قرض جر منفعة فهو ربا) تناقض التنزيل الحكيم، وأستغرب كيف لم يُنظر إلى الآيات؟ وظهور البنوك الإسلامية هو حيلة شرعية أمنوا فيها الشكل على أنه إسلامي، وكما ورد في فقه المعاملات الموضوع منذ ألف سنة، دون النظر بعين الاعتبار لآيات الربا في التنزيل الحكيم، فأمنوا الشكل دون المحتوى، وبقي ذات محتوى البنوك التي يقال عنها أنها ربوية وسيئة، ولزيادة الحفاظ على شكلها الإسلامي، نجد في كل بنك إسلامي هيئة شرعية استشارية، فلا تنخدعوا.
وأنصح كل شخص إيداع ماله في أي بنك، ويستقرض من أي بنك يناسبه.

وقد حاز أشخاص كثيرون على بيوت لهم من خلال قروض من البنوك التي أطلق عليها اسم "ربوية"، فأمنت لهم هذه البنوك حلاً ممتازاً.