آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

3/07/2015

اليمن يحددّ مصير جيرانه (3) - الصراع (حول الدولة ) في عصر الإنهيار العظيم

عدن
الكاتب: فاضل الربيعي

ثرثرة على شواطئ عدن
في هذه المرحلة من الصراع على (الدولة) في اليمن، تحوّل النقاش حول مسألة استمرار ( الحوار الوطني) إلى ما يشبه ثرثرة على شواطئ عدن. لقد فجرّ الرئيس هادي آخر قتبلة في صندوق عتاده الحربي، معتقداً أن الدعوة لنقل الحوار إلى الرياض ستكون بمثابة صاعقة في سماء صافية، وأن حركة أنصار الله سوف ترفض بشدّة أو أنها ستقف حائرة بين الرفض والقبول؟ الحركة رفضت . في الواقع، يمكن لحركة أنصار الله - اليوم أو بعد حين- أن ترّد على دعوة هادي بقذيفة مضادة، وتعلن موافقتها على نقل الحوار إلى الرياض، لا لشئ إلا لأن نقله إلى هناك، سوف يعيد الصراع برمتّه إلى النقطة صفر، أي النقاش حول ( مضمون المبادرة الخليجية للحل)؟ في هذه الحالة، سوف تكسب حركة أنصار الله الكثير، أولاً: أنها ردّت بشكل إيجابي. ثانياً : أن الحوار لن تقوم له قائمة إلا بمشاركتها؟ ثالثاً : أن تصبح لاعباً مهماً ومقررّاً في إعادة صياغة الحل؟ وبذلك، يصبح كل النقاش الدائر حول مكان انعقاد جلسات الحوار ضرباً من ضروب الثرثرة على شواطئ عدن.

إن النقاش حول مكان انعقاد جلسات الحوار الجديدة ما بعد أزمة صنعاء، وما إذا كان سيعقد في العاصمة السياسية صنعاء أم في العاصمة الاقتصادية عدن، أو أن القوى سختار مدينة أخرى من بين مدينتين يُزعم أنهما آمنتان، تعز أو إب، أو أن هذا الحوار سوف ينقل إلى الرياض كما طلب الرئيس عبد ربه منصور هادي، يبدو تكتيكاً فارغاً من أي أهداف حقيقية. ماذا لو وافقت حركة أنصار الله في وقتٍ تالٍ وفي سياق رد تكتيكي؟ ليكن، ولننقل الحوار إلى الرياض. في هذه الحالة لا يتعيّن الإفتراض أن أنصار الله سيكونون هناك وحدهم. بكل تأكيد ستكون طهران حاضرة بقوة عبر قنواتها الدبلوماسية والأمنية مع الرياض. وهل يمكن تصوّر أن طهران والرياض سوف تغلقان قنوات الاتصال بينهما حول أزمة يجري النقاش حولها خارج صنعاء؟ هذا محال. لكل طرف حساباته ومطالبه ومصالحه. لعل الرفض الأمريكي نقل سفارة واشنطن من صنعاء إلى عدن، يمثل أقسى جواب يمكن أن يتلقاه الرئيس هادي.واشنطن، خدعت أوروبا وتركتها تتورط في خطوة ( التفريغ الدبلوماسي) كما انها خدعت دول الخليج بأسره، حين أوهمتها أنها تؤيد الخطوة و صمتت عن قرار نقل سفاراتها إلى عدن. الأمريكيون لا يريدون تفريغ صنعاء دبلوماسياً. هذا يعني- في الحسابات الاستراتيجية- تسليم الشمال اليمني ( للعدو)؟ بينما المعركة في الجنوب لا تعطي ما يكفي من البراهين عن المنتصر المحتمل؟

أخطأ الرئيس هادي مرتين، في المرّة الأولى عندما تخلى عن دوره كرئيس لكل اليمنيين، وهرب صوب ( جنوبيته ) أي حين توهم أنه رئيس للجنوبييّن؟ وفي الثانية ، حين توهم أن نقل الحوار إلى الرياض سيكون لكمة موفقة في وجه أنصار الله، في ما هي خطوة متهورة ستضع دول الخليج في قلب دوامّة من النقاش العقيم : ماذا نفعل بالمبادرة الخليجية؟ هل نعيد صياغتها؟ هل نشطبها؟ هل نقبل بها كما هي؟ في الحالات الثلاث لا يبدو أن دول الخليج ستكسب أي شئ من خطوة متسرعة من هذا النوع.

لماذا؟ ثمة أسباب حقيقية يمكن التفصيل بها مطولاً :
أولاً : إذا ما فرضت جولات الحوار المفترضة في الرياض إعادة صياغة المبادرة، ففي هذه الحالة سوف يُشطب دور الرئيس هادي الذي جاءت به المبادرة الخليجية رئيساً، سوف يجري البحث عن رئيس بديل.

لن يعود ممكناً- في حال إعادة الصياغة- القبول برئيس لم يتمكن من لعب دوره التوافقي.

ثانياً : إذا ما قرّر المتحاورون التخلص من المبادرة الخليجية، والتوصل إلى إطار تفاوضي جديد، ففي هذه الحالة،سيكون الرئيس هادي والحرك الجنوبي ودول الخليج وأوربا، قد جلبوا الدب إلى الكرم. لن يكون بوسع الجميع إلا القبول بحركة أنصار الله وحلفائها كطرف رئيس في أي حل تفاوضي؟

ماذا فعلنا إذاَ؟ وماذا كسب ابو زيد اليمني حين استعرض فروسيته ؟ وما الذي سوف يكسبه هادي من نقل الحوار إلى الرياض؟ ها قد جلب بنفسه من يعتبره خصمه أو عدوه، ولكن ليعطيه مقعداً في الصدارة داخل ميدان الصراع؟

ثالثاً : أّمّا اذا قرّر المتحاورون القبول بالمبادرة الخليجية كما هي، فهذا يعني أن الجميع – في هذه الحالة- سوف يوافقون على خداع أنفسهم بأنفسهم، وذلك بمواصلة الاعتقاد أن المبادرة التي عصفت بها الأزمة وتلاشت أو تحطمت، ما تزال حيّة رغم انها جثة هامدة .
ما يقوله الواقع بسيط للغاية : لقد ماتت المبادرة الخليجية ولن يعود مجدياً البحث عن مكان لنفخ الروح فيها. إن الذين يصرّون على تخيّل الأحلام وكأنها هي الواقع يقومون بدور ( بائع الأوهام) لا أكثر. يجب أن يتركز النقاش لا حول مكان الحوار، ولا حول- المبادرة الخليجية- فهذه اصبحت من الماضي؛ بل حول إطار تفاوضي جديد بين كل اليمنيين للحفاظ على الدولة. نعم كل اليمنيين دون اي اقصاء. الدولة أولاً. لا شئ قبل ذلك.

كل النقاش الدائر حول مكان انعقاد الحوار، ليس أكثر من ثرثرة سرعان ما سوف تهدأ، ليبدأ فصل آخر من الصراع حول ( الدولة ) لا حول ( الحوار عن الدولة).