آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

4/28/2011

المخدرات والمباضع




الكاتب: جبران خليل جبران

يطلب الشرقيون من الكاتب أن يكون كالنحلة التي تطوف مرفرفة في الحقول جامعة حلاوة الأزهار لتصنع منها أقراصاً من العسل.

إن الشرقيين يحبون العسل ولا يستطيبون سواه مأكلا. وقد أفرطوا بالتهامه حتى تحولت نفوسهم إلى عسل تسيل أمام النار ولا تتجمد إلا إذا وُضِعت على الثلج.

ويطلب الشرقيون من الشاعر أن يحرق نفسه بخوراً أمام سلاطينهم وحكامهم وبطاركتهم. وقد تلبد فضاء الشرق بغيوم البخور المتصاعد من جوانب العروش والمذابح والمقابر ولكنهم لا يكتفون. ففي أيامنا هذه مدّاحون يضارعون المتنبي، وراثون يضاهون الخنساء، ومهنئون أكثر طلاوةً من صفيّ الدين الحلي.

ويطلب الشرقيون من العالـِم أن يبحث في تاريخ آبائهم وجدودهم، متعمقاً بدرس آثارهم وعوائدهم واشتقاقات ألفاظهم ومباني معانيهم وبيانهم وبديعهم.

ويطلب الشرقيون من المفكر أن يعيد على مسامعهم ما قاله بيدبا وابن رشد وافرام السرياني ويوحنا الدمشقي، وان لا يتعدى بكتاباته حدود الوعظ البليد والإرشاد السقيم وما يجيء بينهما من الحِكم والآيات التي إذا ما تمشى عليها الفرد كانت حياته كالأعشاب الضئيلة التي تنبت في الظل ونفسه كالماء الفاتر الممزوج بقليل من الأفيون.

وبالاختصار فالشرقيون يعيشون في مسرح الماضي الغابر ويميلون الى الأمور السلبية المسلية المفكهة ويكرهون المبادئ والتعاليم الإيجابية المجردة التي تلسعهم وتـنبههم من رقادهم العميق المغمور بالأحلام الهادئة.


*****


إنما الشرق مريض قد تناوبته العلل وتداولته الأوبئة حتى تعوَّد السقم وألف الألم وأصبح ينظر إلى أوصابه وأوجاعه كالصفات الطبيعية بل كخلال حسنة ترافق الأرواح النبيلة والأجساد الصحيحة فمن كان خاليا منها عد ناقصاً محروماً من المواهب والكمالات العلوية.

وأطباء الشرق كثيرون يلازمون مضجعه ويتآمرون في شأنه ولكنهم لا يداوونه بغير المخدرات الوقتية التي تطيل زمن العلة ولا تبرئها.

أما تلك المخدرات المعنوية فكثيرة الأنواع متعددة الأشكال متباينة الألوان. وقد تولـَّد بعضها عن بعض مثلما تناسخت الأمراض والعاهات بعضها عن بعض .وكلما ظهر في الشرق مرض جديد يكتشف له أطباء الشرق مخدراً جديداً.

وأما الأسباب التي آلت إلى وجود المخدرات فعديدة، أهمها استسلام العليل إلى فلسفة القضاء والقدر المشهورة، وجبانة الأطباء وخوفهم من تهييج الألم الذي تحدثه الأدوية الناجعة.

وإليك أمثلة من تلك المخدرات والمسكنات التي يتخذها الأطباء لمعالجة الأمراض العائلية والوطنية والدينية.

ينفر الرجل من زوجته والمرأة من بعلها لأسباب حيوية فيتخاصمان ويتضاربان ويتباعدان، ولكن لا يمر يوم وليلة حتى يجتمع أهل الرجل بأهل زوجته فيتبادلوا الآراء المزخرفة والأفكار المرصعة ثم يتفقوا على إيجاد السلام بين الزوجين، فيأتون بالمرأة ويستهوون عواطفها بالمواعظ الملفقة التي تخجلها ولا تقنعها، ثم يستدعون الرجل ويغمرون رأسه بالأقوال والأمثال المزركشة التي تلين أفكاره ولا تغيرها. وهكذا يتم الصلح - الصلح الوقتي- بين الزوجين المتنافرين بالروح فيعودان قهراً عن إرادتهما الى السكنى تحت سقف واحد حتى "يبوخ" الطلاء ويزول تأثير المخدر الذي استخدمه الأهل والأنسباء فيعود الرجل الى إظهار نفوره ومقته والمرأة الى إزالة النقاب عن تعاستها. غير أن الذين أوجدوا الصلح في المرة الأولى يوجدونه ثانية، ومن يرتشف جرعة من المخدرات لا يأبى شرب كاس دهاق.

يتمرد قوم على حكومة جائرة أو على نظام قديم فيؤلفون جمعية إصلاحية ترمي إلى النهوض والانعتاق فيخطبون بشجاعة ويكتبون بحماسة وينشرون اللوائح والبرامج ويبعثون الوفود والممثلين، ولكن لا يمر شهر أو شهرين حتى نسمع بأن الحكومة قد سجنت رئيس الجمعية أو عهدت إليه بوظيفة. أما الجمعية الإصلاحية فلا نعود نسمع عنها شيئا لأن أفرادها قد تجرعوا قليلاً من المخدرات المعهودة وعادوا الى السكينة والاستسلام.

تتمرد طائفة على رئيس دينها لأمور أولية فتنقد شخصه وتنكر أعماله وتتبرم من مآتيه ثم تهدده باعتناقها مذهباً آخر أقرب إلى العقل وأبعد عن الأوهام والخرافات. ولكن لا يمر ردح من الزمن حتى تسمع بأن عقلاء البلاد قد أزالوا الخلاف بين الراعي ورعيته وأرجعوا بفضل المخدرات السحرية الهيبة إلى شخص الرئيس والطاعة العمياء إلى نفوس المرؤوسين العقوقين!

يتظلم مغلوب ضعيف من ظالم قوي فيقول جاره: اسكت فالعين التي تعاند السهم تفقأ.

يشك القروي بتقى الرهبان وإخلاصهم فيقول له زميله: اصمت فقد جاء في الكتاب: اسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم.

يعرض التلميذ عن استظهار مباحث البصريين والكوفيين اللغوية فيقول له أستاذه: إن الكسالى والمتوانين يختلقون لنفوسهم أعذاراً أقبح من الذنوب.

تمتـنع الصبية عن اتباع عوائد العجائز فتقول لها والدتها: ليست الابنة افضل من أمها فالطريق التي سلكتـُها تسلكينها أنت أيضا.

يسأل الشاب مستفسراً معاني الزوائد الدينية فيقول له الكاهن: من لا ينظر بعين الإيمان لا يرى في هذا العالم سوى الضباب والدخان.

وهكذا تمر الأيام إثر الليالي، والشرقي مضطجع على فراشه الناعم، يستيقظ دقيقة عندما تلسعه البراغيث، ثم يعود ويهجع جيلاً بحكم المخدرات التي تمازج دمه وتسير في عروقه. فإذا ما قام رجل وصرخ بالنائمين وملأ منازلهم ومعابدهم ومحاكمهم بالضجيج يفتحون أجفانهم المطبقة بالنعاس الأبدي ثم يقولون متثائبين: ما أخشنه فتىً لا ينام ولا يدع الناس ينامون! ثم يغمضون عيونهم ويهمسون في آذان أرواحهم: هو كافر ملحد يفسد أخلاق الناشئة ويهدم مباني الأجيال ويرشق الإنسانية بالسهام السامة.

قد سألت نفسي مرات ما إذا كنت من المستيقظين المتمردين الذين يأبون شرب المخدرات والمسكنات، فكانت نفسي تجيبني بكلمات مبهمة ملتبسة، ولكنني لما سمعت الناس يجدفون على اسمي ويتأففون من مبادئي أيقنت بحقيقة يقظتي وعلمت أنني لست من المستسلمين إلى الأحلام اللذيذة والخيالات المستحبة، بل من أولئك المستوحدين الذين تسيّرهم الحياة على سبل ضيقة مغروسة بالأشواك والأزهار محفوفة بالذئاب الخاطفة والبلابل المترنمة.

ولو كانت اليقظة فضيلة لمنعني الاحتشام عن ادعائها، ولكنها ليست بفضيلة بل حقيقة غريبة تظهر على حين غفلة للأفراد المستوحدين وتسير أمامهم فيتبعونها قسر إرادتهم مجذوبين بأسلاكها الخفية محدقين الى معانيها المهيبة.

وعندي أن الاحتشام في إظهار الحقائق الشخصية هو نوع من الرياء الأبيض المعروف عند الشرقيين باسم التهذيب.

غدا يقرأ الأدباء المفكرون ما تقدم فيقولون متضجرين: هو متطرف ينظر إلى الحياة من الوجهة المظلمة فلا يرى غير الظلام، وطالما وقف فينا نادباً نائحاً باكياً علينا متأوهاً لحالنا.

فلهؤلاء الأدباء المفكرين أقول: أنا اندب الشرق لأن الرقص أمام نعش الميت جنون مطبق.

أنا أبكي على الشرقيين لأن الضحك على الأمراض جهل مركب.

أنا أنوح على تلك البلاد المحبوبة لأن الغناء أمام المصيبة العمياء غباوة عمياء.

أنا متطرف لأن من يعتدل بإظهار الحق يبـيّن نصف الحق ويبقي نصفه الآخر محجوباً وراء خوفه من ظنون الناس وتقولاتهم.

أنا أرى الجيفة المنتنة فتشمئز نفسي وتضطرب أحشائي ولا استطيع أن أجلس قبالتها وفي يميني كأس من الشراب وفي شمالي قطعة من الحلوى.

فإن كان هناك من يريد أن يبدّل نوحي بالضحك ويحوّل اشمئزازي إلى الانعطاف وتطرفي إلى الاعتدال فعليه أن يُريني بين الشرقيين حاكماً عادلاً ومتشرعا ً مستقيماً ورئيس دين يعمل بما يعلم وزوجاً ينظر إلى زوجته بالعين التي يرى بها نفسه.

إن كان هناك من يريد أن يشاهدني راقصاً ويسمعني مطبلاً ومزمراً فعليه أن يدعوني الى بيت العريس لا أن يوقفني بين المقابر.




(المصدر: جبران خليل جبران: العـواصف. 1918: ص 45-50)