2/23/2015

ليسوا ( حوثيين) وليسوا ( شيعة)؟ لفاضل الربيعي

عبدالملك الحوثي زعيم حركة أنصار الله في اليمن

الكاتب: فاضل الربيعي

لماذا يطلق الإعلام العربي لقب أو اسم ( الحوثيون) على الحركة الشعبية في اليمن؟ إن اصطلاح ( الحوثيين) ليس اسماً دالاً على حركة أو حزب او جماعة، بمقدار ما يبدو اسماً او لقباً دالاً على شخص بعينه؟ هذا اسم ( لقب، اصطلاح ...الخ الخ) اطلقه أعداء هذه الحركة منذ عهد علي عبد الله صالح ( وهذا امر مشهود في التاريخ، فالأمريكيون هم من اطلق اصطلاح الهنود الحمر على السكان الأصليين من ابناء حضارة الأزتك؟) . لقد سمّى أعداء الحركة التي انطلقت من مركزها التاريخي صعدة، باسم ( الحوثيين) بهدف تحقيرها والتقليل من شانها، بما أنها تنتسب لشخص متمرّد؟ اليوم، يُراد من هذا الاصطلاح ان يستخدم بطريقيتين، احداهما أن تنسب الحركة الشعبية برمّتها إلى شخص متمرّد يدعى الحوثي؟ وهذا شخص لا وجود له اليوم، لأن من نشاهدهم في الشوارع هم مئات الآلاف ، والثانية أن يؤدي مضمونها إلى الاعتقاد بوجود ( تيار مذهبي).

على هذا النحو تمّ تصنيع صورة ( الحوثيين) طوال اكثر من عشر سنوات. في المرحلة الأولى تمّ تصويرها كجماعة تنتسب لشخص، وفي المرحلة الثانية بوصفها ( مذهبية). الصورتان مزيفتان، لأن الحركة ذات طابع شعبي وليست حزب عائلة او قبيلة او جماعة دينية. وفوق ذلك؛ فإن الزعم بأنها ( حركة مذهبية) أي شيعية، كما هو السائد في وسائل الإعلام، هو تزييف فظيع، لأن هذه الجماعة زيدية على مذهب كل أهل اليمن، وكل ما يقال عن انها متشيّعة ، ينبني على مزاعم واهية. من المؤكد أن حزب ( انصار الله) وهو الجناح العسكري- السياسي للحركة الشعبية، يضمّ اليوم بين صفوفه عدداً من المقاتلين ممن ينتمون للمذهب الأثني عشري. لكن هؤلاء لا يزيد عدد هم عن 5% فقط. هذه حركة شعبية، ليست ( حوثية) وليست( شيعية) بل ثورية- يمنية- زيدية.

والآن : ما الذي يجري في اليمن وإلى أين هي ذاهبة؟ هل حقاً، انها سوف تنزلق نحو حرب اهلية؟ إن التهويل الإعلامي وتضخيم الأحداث والمبالغات الفظيعة في تصوير الوقائع، يكشف عن محاولة يائسة لحرف الأنظار عن حقيقة ما يجري. واخيراً، جاء غلق السفارات ليكون مادة في صناعة هذا ( التهويل). سوف اسجل الملاحظات التالية في تحليل الحالة اليمنية الراهنة:

أولاً : الحركة الشعبية وحزبها ( أنصار الله ) في اليمن، يقودون تحوّلاً تاريخياً سوف يضمن و- يحافظ- على وحدة اليمن في مواجهة داعش اليمنية ( التي تصوّر ضمن التزييف انها القاعدة المتحالفة مع القبائل والأخوان المسلمين، اي حزب الإصلاح). وهذه الحركة، هي القوة التاريخية الوحيدة القادرة على تفكيك شبكات داعش الأطلسية – المخابراتية. لا توجد أي قوة على الأرض قادرة على قهر مشروع داعش الأطلسي- المخابراتي في اليمن سوى الحركة الشعبية الثورية اليمنية وحزبها ( أنصار الله).حتى اللحظة لم تطرح الحركة أي شعار ديني- مذهبي في مواجهة داعش التكفيرية؟ فكيق يقال لنا انها حركة ( شيعية)؟

ثانياً : إن غلق السفارات الغربية لاقيمة له على الإطلاق، وهو محاولة ( للضغط) بوسائل يائسة لتعديل الوقائع على الأرض. اليمن هي التي تتحكمّ بمصير أوربا التي أغلقت سفاراتها وليس العكس. لديها باب المندب شريان حياة الأوربيين، وتستطيع أن تعيش لوقت طويل دون سفارات غربية ، بينما الغرب لا يمكنه سوى ان يستجدي الرحمة منهم ؟ إن التهويل الإعلامي المصاحب لعمليات إعلاق السفارات، غرضه خلق إنطباع أن اليمن يتجه تحو كارثة، وهذا تزييف للوقائع. الحركة الشعبية الثورية وحزبها ( انصار الله) تفرض سيطرتها المطلقة على اليمن. لقد جرى زحزحة وجود داعش، والدفع بها إلى اضيق زاوية في الجغرافية اليمنية. لم يتبق سوى حيوب ( داعش اليمنية) في رداع، وابين وحضرموت. ان تنظيف الاسطبل من نفايات الأطلسي سوف يتطلب ويا للاسف معارك قاسية.

ثالثاً : كل ما يشاع عن معارك تقوم بها القبائل في مأرب وسواها، هو تزييف مخابراتي- أطلسي. ما يجري بالضبط، هو اصطفاف لجماعات قبلية- تنتمي لحزب الإصلاح- مع داعش ( هذا وضع شبيه بما جري في العراق اي ما عرف بثورة العشائر في الأنبار ثم اتضح ان هؤلاء جماعات متحالفة مع داعش؟). وساعطي المثال التالي للتدليل على نوع التزييف: عندما دخل انصار الله الى محافظة عمران، شاعت مزاعم عن مواجهة بينهم وبين القبائل. حقيقة ما جرى هو التالي: إن محافظة عمران موطن الهمدانيين- قبائل همدان- كانت تشهد انقساماً داخل القبائل بين جيلين، شباب القبيلة متحمسون لأفكار الحركة الشعبية الثورية ويريدون دعمها وتأييدها، وشيوخ قبائل يحتفظون بولاء تقليدي لحزب الإصلاح. الصدام جرى بين الطرفين وليس بينهم وبين ( ما يزعم انهم حوثيون)؟ ولذلك دخلت الحركة الثورية دون قتال تقريباً.

رابعاً : ما يجري في اليمن ليس صراعاً يمنياً- يمنياً. إنه صراع على مصير المنطقة والعالم. اليمنيون يتحكمّون بباب المندب، أي أنهم يقبضون على ( عنق العالم) ويمكنهم في أي لحظة أن يخنقوا اوربا حين يصدر أمر بإغلاق باب المندب؟ سوف ترتعد أوروبا هلعاً. ولا قطرة نفط واحدة؟ وهذا ينطبق على الخليج كله؟ من يتحكّم بباب المندب يتحكمّ بالعالم. هذه هي المعادلة الجديدة. تذّكروا ما قاله حسن نصرّ الله: لقد تغيّرت قواعد الاشتباك؟ واليمنيون مع ( أنصار الله) يغيرّون – هم أيضاً- قواعد الإشتباك ؟

خامساً : من هم اللاعبون الكبار؟ من الواضح أن ما جرى في المملكة العربية السعودية مؤخراً يكشف عن خفايا ما يجري في اليمن. لقد تمت عملية ممنهجة، صامتة وسرية لتصفية ( ارث عبدالله). وجرى تغيير دراماتيكي في السياسات والخطط الاستراتيجية، وبحيث اصبحت السعودية بين ليلة وضحاها من معادية للأخوان المسلمين إلى قوة مركزية في التحالف معهم؟ هكذا سوف ينشأ تحالف سعودي- تركي- قطري. لقد اصبحت السعودية في العهد الجديد جزء من هذا المحور المعادي والكاره لمصر. لكنه مضطرّ ، نظراً للوقائع على الأرض، للبحث والتفتيش عن تسويات ممكنة في سورية واليمن والعراق ولبنان، أي أن يدخل في تسوية مع محور ايران سورية وروسيا .

روسيا وصلت إلى المياه الدافئة في المتوسط ، ويمكنها أن تنام قريرة العين عند باب المندب. كما يمكنها أن تمدّ سيقانها الطويلة لتتمددّ في شواطيء السويس والاسكندرية بعد توقيع اتفاقيات ( صوامع القمح). وهي صوامع عملاقة سوف تمكن روسيا من القيام بعمل مزدوج: إطعام مصر وتخليصها من الابتزاز الأمريكي، وتصديره إلى العالم. وهذه مجرد مقدمة لوجود عسكري تدعمه اتفاقيات تسليح وانشاء محطات نووية؟ إن الذين يتحكمّون بباب المندب يمكنهم أن يستلقوا بهدوء عند شواطي الإسكندرية.

سادساً : مستقبل اليمن ليس رهناً بالصراع الداخلي. كل من يعتقد أن الموضوع اليمني موضوع داخلي يمكن ان تحسمه تسويات داخلية واهم ولا يدرك حقيقة ما يجري. انه صراع دولي- إقليمي هائل بين محورين عالميين- إقليميين. لامناص من التفاهم مع إيران وروسيا وسورية. هل يبدو أمراً مفاجئاً حين أقول لكم أن سورية لاعب كبير بين كبار آخرين في الموضوع اليمني؟ تذكّروا أن الرئيس علي ناصر محمد المقيم في دمشق هو المرشح التوافقي.




2/22/2015

حفلة جنون في الشرق الأوسط (4) - الوحش القادم من بيت المقدس لفاضل الربيعي


الكاتب: فاضل الربيعي

خلال وقت قصير فقط، 2011-2014 أصبح الشرق الأوسط بؤرة حروب دينية ومذهبية متراكبة ومعقدّة، لم يعد هناك منْ يتحدث عن الحرية والديمقراطية وفلسطين،أوالتنمية والدفاع عن الاستقلال وفكّ شروط التبعية. اصبحت مسألة (الخلافة الإسلامية) هي الشغل الشاغل للجميع. لقد أدت (ثورات الربيع العربي) الزائفة، الوظيفة التاريخية التي صُممّت لها. وبفضلها تمكن القادة الدينيون والفقهاء والدعاة وشيوخ المساجد من مختلف المذاهب والإيديولوجيات من تصدّر المشهد السياسي والتلاعب بالجماهير. لكن أخطر هذه الحروب والمعارك وأكثرها بشاعة ومأسويّة لم تقع بعد.

ومن المؤكد، استناداً لتحليل جملة معطيات أن هناك تحضيرات واسعة لفصول جديدة من حروب ومعارك قاسية، سوف تجري فوق رقعة جغرافية تتجاوز منطقتنا. إن البرنامج الأمريكي لتدريب المعارضة السورية ( ما يزعم انها معارضة معتدلة ) يستغرق 3 سنوات. وبحسب هذا البرنامج فسوف يتمكن الأمريكيون حتى العام 2017 من تأليف جيش قوامه 15 الف مسلح. يعني هذا انهم يتأهبون للزّج بالمزيد من المجانين في حفلة الجنون الطويلة؟ لكن هذا البرنامج، وبرغم كل الصخب الإعلامي لا قيمة ولا أهمية له ولن يغيّر الكثير من الوقائع على الأرض، كما أنه لن يسهم في تعميق التصنيف السياسي المضلل، والقائل بوجود طرف معتدل وطرف متطرف داخل الجماعات المتناحرة في العراق وسورية وليبيا وتونس ومصر والنيجر. إن الطابع الديني للحروب متعددّة الأطراف، سوف يغلب على أي تصنيف من هذا النوع. ستكون هناك حروب مجانين ضد مجانين آخرين. وفي هذا النطاق من الفكرة ثمة وحش دينيّ يتأهب الأمريكيون والبريطانيون لإخراجه من زنزانته هو الأكثر فتكاً. إنه وحش مدّرب على خوض الصراع بضراوة حول ( عرش الخلافة الإسلامية) لا حول مسألة قيامها وحسب؟

وسوف يتمحور الصراع حول منْ يتربع فوق عرش الخلافة ومن هو الأحق والأقوى من منظور الشرعية التاريخية والدينية ؟ ولذلك، يتعيّن علينا توقع نشوب حروب طويلة وقاسية. ليس هذا الوحش الديني سوى (حزب التحرير) الإسلامي الذي يعتبر نفسه وريث الخلافة الإسلامية، والسبّاق للمطالبة بها والدعوة لقيامها، وهو مستعد للقتال من أجلها حتى النهاية. إنه يتأهب اليوم بالفعل لخوض قتال شرس. تأسس "حزب التحرير" في القدس في عام 1952 ومقره المركزي في لندن، ولديه فروع كثيرة في آسيا الوسطى وأوروبا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وخصوصا في إندونيسيا، حيث تمكنت الجماعة هناك من كسب تأييد وتعاطف الملايين. لكن أهم فروعه وأخطرها هو الفرع الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. لقد ساعدت إسرائيل بصمت ومن وراء ألف ستار في تغطية نمو وتطور هذا الوحش، وبات يشكل قوة ( صامتة، نائمة) لكنها ضاربة. اليوم يمكن لحزب التحرير في أي مواجهة قادمة مع حماس سواء في غزّة أو الضفة الغربية، أن يضعها في موضع شبيه بما عليه حال ( الأخوان المسلمين) أمام داعش؟ تاريخياً، كان حزب التحرير أول من رفع شعار الخلافة الإسلامية، ولذا فهو أهم المطالبين بالعرش. وإذا كانت داعش تتهيأ لوضع مولودها ( ضدّها النوعي ) تنظيم خراسان على الحدود الأفغانية- الباكستانية؛ فإن الوحش الآسيوي الذي ولد في بيت المقدس، يتأهب للزحف بملايينه الآسيوية رافعاً بكل رياء رايات ( المسجد الأقصى) و( ثالث الحرمين) ومستخدماً كل الرمزيّات الدينية الأثيرة عند المسلمين؟ إن تسارع الأحداث في المنطقة هو الذي يفرض على الملايين من البشر، تركيز انظارهم على ( داعش) بوصفها الخطر الأكبر، بينما هم في إنتظار وحش آخر أكثر بشاعة وخطورة، ظل لسنوات طويلة حبيس النسيان في ونزانته المظلمة.

ولكي نفهم بعمق حقيقة ما يجري، فسوف أعود إلى التاريخ المسكوت عنه وارسم إطار عاماً يتضمن تحليلاً لمسار الأحداث :

في عام 1954 عقد في أمستردام- هولندا – ووسط أجراءات وتدابير وحراسة خاصة طغت عليها السرية التامّة، اجتماع دولي لا سابق له : ملوك ورؤساء جمهوريات ورؤساء وزارات ووزراء ومدراء شركات وصيارفة ودبلوماسيون وصحفيون من كل أنحاء العالم. ومن اللافت أن قائمة المشاركين تتضمن اسم شركة ماكدونالد ( التي لم تكن في هذا الوقت سوى شركة صغيرة لديها فرع واحد في نيويورك )؟ وحتى اليوم، يحتفظ التلفزيون الهولندي ببضعة أفلام وثائقية عن هذا الاجتماع الغامض، بعضها يتضمن لقاءات مع طواقم الخدمة من الرجال والنساء. لكن لا أحد من هؤلاء يعرف بدقة- تقريباً- ماذا جرى ومنْ هم المشاركون ولا جدول أعمالهم؟ ومع هذا ، تكشف وثائق التلفزيون الهولندي عن امور كثيرة هامة، منها أن هذا الاجتماع قرر – ضمن سلسلة قرارات- ما يلي : ( سوف نتلاعب بالشعوب والثقافات والأديان) ؟

هذا هو جوهر الإجتماع : هناك من قرر التلاعب بالشعوب والأديان. في هذا الوقت- وبشهادة المرحوم حسين الشافعي نائب الرئيس جمال عبد الناصر- في برنامج شاهد على العصر الذي ُيبث من قناة الجزيرة – ظهرت كرّاسة صغيرة من نحو 70 صفحة لأحد منظري الحركة الصهيونية، اطلع عليها الشافعي بنفسه في الستينات من القرن الماضي، تشرح ( الحلم الإسرائيلي ) على النحو التالي وبحسب ما جاء في شهادة الشافعي ( راجع برنامج شاهد على العصر في قناة الجزيرة) : إن حلم إسرائيل خلال 50- 100 عام من الآن ( أي من عام 1954) يتأسس على إمكانية أن تلعب تل أبيب دوراً مطابقاً للدور الذي لعبته ( الخلافة الإسلامية) وبحيث يجري تحويل العالم العربي- الإسلامي بأسره إلى ( ولايات إسلامية لا مركزية) تتبع أو تدار بشكل غير مباشر من مركز ديني جديد هو تل أبيب، أي الدولة اليهودية ؟ لنلاحظ ، أن حزب التحرير تأسس في القدس عام 1952 ؟ فكيف ولماذا سمحت إسرائيل، وغضت الأبصار عن وجود هذا الحزب كل هذا الوقت، وهو حزب ديني متطرف تقوم عقيدته على الدعوة لتأسيس الخلافة الإسلامية؟ في الواقع، يدرك الذين عملوا على ( خلق إسرائيل) إن مأزقها التاريخي سوف يكون ناجماً عن تناقض غير قابل للحل، بين وجودها الجغرافي في قلب المشرق العربي وفي الآن ذاته عجزها التام عن إدارته؟ ولذلك عاشت إسرائيل وهي تشعر أنها أشبه بقلب إصطناعي زرع في المنطقة ( بديلاً عن القلب الطبيعي الذي انتزع بالقوة المتوّحشة ) وأن الجسم العربي- الإسلامي سيظل يرفضه بقوة؟ كانت فكرة الخلافة الإسلامية حلماً إسرائيلياً قديماً يرتبط بحلّ هذه الإشكالية، ذلك أن تفكيك العالم العربي- الإسلامي إلى ولايات صغيرة، هو الطريق الوحيد الذي يتيح لإسرائيل إدارة شرق أوسط مؤلف من فضائين دينيين يهودي- إسلامي. ولذا كان لابد من تأسيس حزب يدعو للخلافة الإسلامية تكون القدس مقره، بما أنها ستكون هي مركز الخلافة بعد تهويدها؟ لقد كانت الوحشيّة الدينية التي مارستها إسرائيل منذ عام 1948 مصممّة لا للاستيلاء على الأرض وحسب؛ بل ولتحويل وجودها الإشكالي إلى وجود طبيعي من خلال تمزيق المنطقة، وكانت فكرة ( الخلافة الإسلامية) الجديدة التي تدار من تل أبيب، واحدة من ( مختلقات) القوى الاستعمارية لتحويل الشرق الأوسط برمته إلى ( نظام ولايات صغيرة) متصارعة في ما بينها، وبحيث تشعر كل ولاية أن وجودها مرتبط كلياً، بقدرتها على ترتيب أوضاعها الأمنية مع تل أبيب، وتماماً كما حدث في التاريخ القريب- قبل أكثر قليلا من 500 عام- حين تمزقت الأندلس وتحولت إلى (ولايات) متصارعة بعضها ضد بعض.

وقد لاحظ الكاتب والمؤرخ المصري الشهير محمد حسنين هيكل في مقالة له نشرت عام 2012 – بعد أن خفتت حماسته لثورات الربيع العربي قليلاً- أن البلدان العربية تتجه بالفعل إلى ( ما يشبه دويلات الأندلس) وأنّ على كل ولاية ووفقاً للظروف المحيطة بها، أن ترتب أوضاعها الأمنية بالتفاهم مع إسرائيل، كما فعلت دويلات الأندلس القديمة حين قامت كل دويلة بترتيب أوضاعها الامنية بالتفاهم مع اسبانيا (أي تقديم فروض الولاء والطاعة لمن كانوا يسمونهم الصلييببن ؟).

الحالمون بالخلافة من الإسلاميين المتشدّدين والمتدّينين الشعبيين البسطاء- على حدّ سواء- يتوافقون على الفكرة التالية التي يمكن تلخيصها بأبسط الكلمات : إن ضعف الأمة ناجم عن ضياع هويتها ( أو تأكل هوّيتها) وافتقادها لدولة قوية تجمع أطراف الإسلام، وان الحل الوحيد هو إعادة تأسيس الأمة – الدولة على نفس القواعد القديمة، التشريعيّة والفقهية التي جاء بها الإسلام؟ إن سائر الجماعات الدينية (من حزب التحرير الإسلامي مروراً بالأخوان المسلمين وانتهاء بالقاعدة وداعش وبو كو حرام في نيجيريا) ترّوج لهذه الفكرة بأشكالٍ مختلفة . بيد أنها هذه تبدو فكرة مضللة في الوضع الراهن، ونظراً للوقائع التي تتشكل على الأرض، فهناك وحوش دينية تستعد لخوض اشرس المعارك حول ( عرش الخلافة) في ( ولايات) مبعثرة ومتصارعة،ليس حول بناء دولة حقيقية قوية للعرب. لقد أصبح وهم الخلافة الإسلامية الجديدة التي يُعاد بعثها من الماضي، هو العنوان العريض لمسألة التلاعب بالشعوب والثقافات والأديان التي تقررّت في أمستردام عام 1954. هل تحلمون بالخلافة ؟ حسناً سوف نساعدكم في تحقيق هذا الحلم. سوف نعيدكم إلى الماضي الذي تمجّدونه وتتشوقون للقاء به وتعودون ( دويلات مدن ) مبعثرة : ولاية نينوى، ولاية الرقة ، ولاية تونس، ولاية برقة ولاية سيناء الخ. وبطبيعة الحال، لن يكون هناك سوى مركز قوي واحد يدير هذه الولايات: تل أبيب. إن استغلال المثيولوجيا الدينية – الإسلامية، اي كل الخزان الثقافي للعرب من المرويات والقصص الدينية والأساطير، يبلغ ذروته اليوم مع استغلال فكرة ( الخلافة الإسلامية ) وربطها بالقدس. فما علاقة القدس أو بيت المقدس بالخلافة؟ وهل كانت فلسطين في أي يوم من التاريخ هي مركز الخلافة؟ أليس أمراً مثيراً للتساؤل أن بعض قادة حماس في غزة وخلال أحداث ما يسمى ( ثورات الربيع العربي) كانوا يرددّون اثناء التظاهرات والاحتفالات: الخلافة الإسلامية قادمة وستنطلق من بيت المقدس؟

إن جوهر التلاعب بالإسلام يقع هنا : التلاعب بفلسطين.

إن الوحش الديني القادم من بيت المقدس ليس خيالاً سياسياً؛ بل هو وحش حقيقي يمكننا تتبع خطاه في أكثر من مكان. هل دون معنى أن داعش المصرية في سيناء ظهرت في صورة ( كتائب بيت المقدس)؟ هل دون معنى أن بعض المجموعات الإرهابية التي تقاتل في سورية ترفع رايات ( بيت المقدس) ؟ هل دون معنى أن الشيخ رائد صلاح زعيم الحركة الإسلامية في مناطق 48 هو من يتولى ارسال الإنتحاريين إلى سورية، وبعضهم أطباء؟ كانت صورة الفلسطيني في الماضي القريب سواء داخل إسرائيل ام في الذاكرة الأوروبية، هي صورة ة(الإرهابي) الذي يقوم بهجمات انتحارية ضد مواقع يهودية. وبالطبع، فقد استغلت إسرائيل والغرب الإمبريالي هذه الصورة أبشع استغلال. اليوم انتهت هذه الحقبة بعد أن أدّت الصورة النمطية القديمة غرضها كاملاً، ولم تعد صالحة للاستخدام، لأن الموضوع الفلسطيني وعلى خلاف ما أرادت إسرائيل، كسب تعاطف العالم كله خلال السنوات الماضية.

ولذلك سعت إسرائيل بكل الوسائل لإعادة إنتاج صورة نمطية جديدة الفلسطيني نفسه يصبح فيها ( إرهاببياً ) في نظر العربي والمسلم لا في نظر الإسرائيلي ، وذلك من خلال انخراطه في أعمال ونشاطات داخل المجتمعات العربية لا داخل إسرائيل؟ كانت صورة الفلسطيني في الذاكرة العربية- الإسلامية طوال عقود، ذات هالة قدّسيّة خاصة، فهو (فدائي) نموذجي. وهذه صورة مقلقة ومؤذية لإسرائيل. ولذلك كان لابد من ( قلب ) دلالة ( الإرهاب) في هذه الصورة، وبدلاً من أن تكون صورة الفلسطيني عند العرب هي صورة ( الفدائي) الذي يستشهد في سبيل فلسطين، جرى ( تصنيع) صورة بديلة أصبح فيها الفلسطيني في نظر العرب شخصاً إرهابياً يفجرّ نفسه في شوارع المدن العربية لا في القدس؟ لقد كانت تراه ( إرهابيا) وكنا نراه ( فدائياً ).

كان تحطيم قدسيّة فلسطين في الوجدان العربي، وتكسير الصورة الأثيرة والجذّابة التي تحتفظ بها الذاكرة العربية ( للفدائي الفلسطيني) من بين أكثر أهداف إسرائيل إستراتيجية على المستوى الإعلامي والميداني ، وهذا امر ثبت أنه غير قابل للتحقق إلا من خلال الزّج بفلسطينيين للقيام بأعمال إرهابية خارج فلسطين. بكلام آخر، لن يتحقق هذا الهدف إلا في اللحظة التي يشعر فيها اي عربي، إن الفدائي القديم في ذاكرته قد تلاشى وحل محله إرهابي يستهدفه هو ولا يستهدف إسرائيل؟ أليس أمراً محزناً ومثيراً للقلق أننا نشاهد تصاعداً في نزعة ( كراهية الفلسطينيين) داخل الأوساط الشعبية في مصر وسورية والعراق؟ أليس أمراً محزناً أن نقرأ اخباراً مرّوعة عن شاب فلسطين يفجرّ نفسه في مدينة الصدر ببغداد وعن طبيب فلسطيني من مناطق 48 يترك عيادته ويتسلل إلى سورية ليقوم بعملية انتحارية؟ أليس محزناً رؤية التهييج الشعبي ضد الفلسطينيين في مصر ( والإعلان عن اعتبار كتائب القسام منظمة إرهابية-). وأخيراً، أليس أمراً محزناً إعلان الدانمارك أن منفذ هجوم كوبنهاكن هو فلسطيني مولود بالدانمارك؟

ليس هذا سوى العلامات التمهيدية الأولى لإعلان ولادة الوحش الديني في بيت المقدس. سوف يكون ظهور حزب التحرير بداية صراع مرير وطويل حول عرش الخلافة لا على الخلافة نفسها. ولم لا هو يعتبر نفسه الأب الروحي للفكرة؟

يتبع >>>

مقالات فاضل الربيعي




2/20/2015

حفلة جنون في الشرق الأوسط (3) - الغزو من الداخل لفاضل الربيعي

علمائنا وعلمائهم ... الغزو من الداخل

الكاتب: فاضل الربيعي

ما يجري في الشرق الأوسط ، ليس قصة جديدة من قصص الصراع القديمة أو المألوفة في مجتمعاتنا . ثمة مسارات تدّلل على أنه ( غزو من الداخل) جرى تنظيمه بأدوات محلية وإقليمية، وهو يدار بطرائق وأشكال غاية في السرية والتعقيد.إنه قصة أخرى مختلفة كلياً. وبطبيعة الحال، يصعب على أي محللّ حصيف تخيّل أن ما يجري هو من تدبير ( جماعات إرهابية)- وكما يشاع عادة فهؤلاء من الفقراء والعاطلين عن العمل والمحرومين والمهمشين أو المهووسين بالقتل والجريمة-.إن التنظيرات السطحيّة والمجافية لأي منطق تاريخي هي التي أشاعت هذه الفكرة الزائفة.هؤلاء الإرهابيون، ليسوا سوى الوجه المنظور أو المسموح برؤيته من صورة (المنظمة السرية) التي تديرعمليات التوّحش الممُنهج، وهو توّحش مصممّ لتمكين الغرب الاستعماري من العودة إلى مستعمراته تحت أردية جديدة. وفي المشهد الراهن للجماعات المتوّحشة في سورية والعراق ومصر وليبيا وجبال تونس واليمن، يمكننا أن نشاهد صورتين لا صورة واحدة : الأولى لجماعات ترتدي الزي الأفغاني بلحاها الكثة وصرخاتها الهستيرية، دون أقنعة أو أغطية تحجب الوجه، والثانية لجنود مقنعيّن مفتولي العضلات يرتدون الزي العسكري الأمريكي أو القطري؟ فهل يمكن الافتراض ان الجماعتين جماعة واحدة؟ ولماذا يكشف هؤلاء وجوهوهم ويمتنع أولئك؟ الجماعة الأولى، أي كل المقاتلين الإسلاميين، هي (الأدوات المتوّحشة ) التي تناط بها مهام العمليات الانتحارية والاشتباك والدخول في مواجهات مميتة.أمّا الثانية، فهي ( النواة الصلبة) التي تخطط وتشرف على المعارك ميدانياً، وتتألف من ( مقاتلين غربيين) أصبح عددهم الرسمي حسب تقارير واشنطن نحو 20 ألفاً؟ ويعرف القادة العسكريون في العراق وسورية ومصر، وبأدّق التفاصيل وبالأدّلة والوثائق، أن ما يواجهونه يومياً في ميادين القتال الشرس،ليس مجرد (جماعات إرهابية إسلامية) وإنما قوات ( نظامية محترفة) بريطانية وفرنسية وأمريكية، تتعاون بشكل وثيق مع شركات أمن خاصة ( مثل بلاك ووتر).

إن القدرات القتالية المذهلة، والمعرفة التفصيلية بأعقد الأسلحة، والقدرة على تنظيم هجمات مدّمرة، تؤكد أن هؤلاء هم (قادة الحرب من الداخل).أما الآخرون، فهم الوجه الذي سمح لنا برؤيته والتعرّف عليه، كجماعات لديها هدف دينيّ مقدّس؟ لقد دّللت الأشهر الماضية – منذ سقوط الموصل- على حقيقة أن موجة الجماعات المتوحشة التي ضربت المنطقة منذ 2011 هي في جرهرها (موجة استعمارية جديدة) اعتمدت خطط ( الغزو من الداخل) بديلاً من الغزو الخارجي. بدلاً من اقنحام القلعة من الخارج بالقوة، يمكن الاستيلاء عليها من الداخل بخدعة؟ هذا درس تاريخيّ قديم من دروس الحروب التي تدار بواسطة الخدعة والقوة. وفي هذا النطاق من الفكرة، سوف يبدو الإسلام في الحالة الراهنة التي تعرضها الجماعات المتوحشة، وكأنه (حصان طروادة الجديد) الذي استخدمه الغزاة للاستيلاء على القلعة من الداخل. في النهاية، فتحت لهم أبوب القلعة بخدعه. وها نحن- وهم- وجهاً لوجه في معركة موت. إن ما يجري في الشرق الأوسط هو بأدّق وصف ممكن نوع من( معركة داخل القلعة). وفي هذا النوع من الحروب كما يبيّن لنا التاريخ، سوف ُتخاض المعارك القاسية في كل لحظة وحتى الموت. ومادام الغزاة أصبحوا في قلب مدننا، وأبواب القلعة مغلقة، ونحن- وهم- في ميدان المعركة وجهاً لوجه،فعلينا – في هذه الحالة- أن نستعد لفصول طويلة من الألم. كيف جرى تحويل الإسلام إلى ( حصان طروادة) لغزو القلعة من الداخل؟ كيف تجلى الخداع الديني وما الدلائل على وجود ( تلاعب بالإسلام )؟
سوف أعرض – هنا- بعض الأشكال التي جرى فيها التلاعب بالإسلام، واستغلال المثيولوجيا- الأساطير والمعتقدات والقصص والمرويات الدينية- السنيّة والشيعة على حدّ سواء.

أولاً :
إن الغرض الحقيقي من الاستغلال المنظّم للمرويات والأحاديث والقصص الدينيّ، هو إعادتنا إلى الماضي. إن المستعمر الجديد يبني إستراتيجيته وفقاً لنظرية تقول، بأن أفضل وسيلة للهيمنة المطلقة هي حبس شعوب ومجتمعات بأكملها في ( قفص ماضيها الذي تمجّده).ولأننا أمّة ( تمجّد الماضي) بشكل مرضيّ، فقد استغل الغرب هذا الجانب الخامل من الأمّة، أي الجانب المشلول من التاريخ الديني والذي يستحيل علينا توظيفه ، لأنه مادة صراع واختلاف لا مادة توافق. ومع ذلك، فنحن نمجّده ونتشوق للعودة إليه. ليس دون معنى، أن أزياء الجماعات المتوحشة في صحراء سيناء وطرابلس الليبية ونينوى العراقية والرقة السورية ورداع اليمنية وجبل شعاني بتونس وفي النيجر وعلى الحدود مع الكاميرون وفي القوقاز، يبدو زياً إسلامياً قديماً موحداَ ( الرداء الأفغاني على وجه التقريب).واليوم، يفرض هؤلاء الزي نفسه على الرجال والنساء في المدن التي باتت تحت سيطرتهم. كل شئ هناك- في الرقة كما في الموصل وطرابلس ودرنة ومصراته ورداع – بات ينتمي للماضي. بدلاً من مناهج التعليم الحديثة عاد الطلاب إلى (المدارس الدينية ) وبدلاً من القضاء يتوجه السكان اليوم إلى المحاكم الشرعية. حتى الرقابة على الأسواق صار اسمها ( الحسبة)؟ 
ليست الشعارات وحدها هي الموّحدة؛بل وكذلك المعدّات والأكسسوارات. كل شئ في – المسرح الشرق أوسطي- يعطي الإنطباع ان ما يحدث نوع من تكرار للماضي، وأن َمنْ نشاهدهم جاءوا من الماضي، وان موضوعات الصراع هي الأخرى تنتمي إلى الماضي نفسه، ولم لا والمعارك تدور في المكان نفسه والمحاربون- هم أنفسهم كما عرفناهم في الماضي حتى بأسمائهم؟ ومع ذلك، لا يعدم المرء رؤية ( النواة الصلبة) التي تقود هؤلاء المتوّحشين . إنها مجموعة كبيرة نسبياً (من الأوربيين الذين يرتدون ملابس الجيش الأمريكي أو القطري) ويظهرون بأقنعتهم السوداء وعضلاتهم المفتولة وأحسادهم المشدودة ( إن التدقيق في صور هؤلاء سوف يؤكد أن قوامهم الجسدي قوام أوروبي؟). بالنسبة للغرب الاستعماري، فهذه لحظة نموذجية في تاريخ المنطقة العربية يمكن فيها إعادة مجتمعات وشعوب بأكملها إلى الماضي. لكن هذه العودة تتطلب إعادة ( تجسيد) او (تمثيل) للشخصيات الأسطورية ( المثيولوجية )؟ أيّ أنها تتطلب أقصى درجة ممكنة من استغلال وتوظيف الماضي المثيولوجي. وهذا ما سوف يتولاه رجال الدين؟

ثانياً :
لقد راجت في الآونة الأخيرة- في وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الفضائيات الدينية- أحاديث منسوبة تارة للنبي محمد، وتارة أخرى لبعض الصحابة والخلفاء، تتحدث كلها عن ظهور ( الخراساني) وتزعم كلها تقريباً،أن (الرايات السوداء) ستأتي من (الشرق). وبعض الأحاديث تربط بين الخراساني والمهدي المنتظر، وأنهما سيظهران في إيران. فما العلاقة بين هذه المثيولوجيا الدينية وظهور تنظيم ( خراسان)؟ هل هي مجرد مصادفة عرضية ( لغوية ودينية) جمعت بين أساطير دينية عن ظهور ( الخراساني) وظهور تنظيم يحمل اسم ( خراسان)؟ في هذه المثيولوجيا تترد تصوّرات عن جيش المهدي الذي سوف يجتاح المدينة المنورة وأرض الحجاز، ولكن دون أن تربط ذلك بالإيرانيين؟ هاكم حديثاً واحداً من آلاف الأحاديث الشائعة (تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي بعثت إليه بالبيعة). (البحار:52/217) . وتذكر بعض الروايات في المصادر السنية، أن حشداً من الإيرانيين في جنوب إيران، سوف يتجه في صورة ( زحف جماهيري) باتجاه الحجاز لنصرة المهدي المنتظر . خذوا هذا الحديث مثلاً: (إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي) (ابن حماد ص 86) . وفي هذا السياق، تقدّم المثيولوجيا الدينية الشيعية والسنيّة الصورة التالية : هذا الحشد سيكون بقيادة الخراساني في (بيضاء إصطخر) قرب الأهواز،أما المهدي المنتظر، فسوف يتوجه بعد تحريره الحجاز إلى بيضاء إصطخر ويلتقي بأنصاره ( الخراساني وجيشه) ليخوضوا بقيادته معركة كبرى ضد السفياني؟

وبالطبع، فكل هذه القصص والمرويات المثيولوجية لا اساس لها في التاريخ، وهي من تلفيق رواة متأخرين. ومع ذلك؛ فإن الترويج لها على نطاق واسع في الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وحتى الندوات والمحاضرات الدينية- الشعبية، يؤكد، أن هناك ( طرفاً) يقوم بتوظيف هذه المثيولوجيا لخلق ( بيئة روحية- ثقافية) تتلازم مع عودة مجتمعاتنا إلى الماضي. إن بعض المرويات الشيعية والسنيّة على حدّ سواء، تزعم أن المعركة القادمة سوف تشهد صداماً مع قوات بحرية من الروم تنشط إلى جانب قوات السفياني (ابن حماد ص 86 ).وقد ورد في هذه المصادر ما يعرف بحديث الرايات السود وحديث أهل المشرق .ومن أقدم المصادر السنية التي روته أو روت قسماً منه، سنن ابن ماجة: 2/518 و 269 ، والحاكم : 4/464 و 553، وابن حماد في كتاب الفتن ص 84 و 85 ، وابن أبي شيبة في المصنف : 15/235 ، كما ورد في سنن الدارمي ص 93 وعند ابن ماجة نقرأ المروية التالية: ( يخرج ناس من المشرق يوطؤون للمهدي سلطانه ) وفي مستدرك الحاكم ( عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شئ إلا أخبرنا به، ولا سكتنا إلا ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين ، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه. فقلنا يا رسول الله ، ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه، فقال: سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد، حتى ترتفع رايات سود في المشرق فيسألون الحق فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون).إن الترويج لهذه المثيولوجيا وتوظيفها في الأوساط الشعبية ، مصمّم لخلق ظروف وأجواء إنقسام مجتمعي على اساس مثيولوجي ( اسطوري) وليس على أساس ( واقعي) وبحيث ينشطر المجتمع المحلي إلى ( خراسانيين) ينتظرون ظهور المهدي ليحرر الحجاز، وأتباع السفياني الذين سوف يقاتلون هؤلاء؟ حتى أسطورة تلقي السفياني دعماً من أسطول الروم في البحر، ستكون حاضرة في هذا ( التمثيل ) للتاريخ، فكما كان الروم حلفاء للسفياني( الأسطوري) فإن على أتباعه من المعاصرين أن يأملوا بالدعم نفسه من روما الجديدة ( الولايات المتحدة الأمريكية)؟

ثالثاً : إن استغلال المثيولوجيا الدينية- الأساطير والقصص والمعتقدات والمرويات – وإعادة ( تمثيلها) يتجلى في أكمل وجه من خلال إعادة ( إنتاج) فكرة الخلافة الإسلامية في صورة تنظيم ( داعش) يقود المسلمين لبناء دولة الخلافة. ثم يواجهه تنظيم معادٍ له ( يخرج من رحمه) هو خراسان؟ لقد حوّل الغرب الاستعماري هذه المثيولوجيا الدينية إلى (واقع) يعيشه شرق أوسط يعود القهقرى إلى الماضي السحيق. فها نحن أمام دعاة خلافة إسلامية وخراسانيين، ننتظر معركة فاصلة ضد ( اخوتنا) من أتباع شخص اسطوري يدعى السفياني؟ 

سوف يبلغ التلاعب ذروته، حين نعلم، أننا نعيش في شرق أوسط جديد، تهيمن عليه أشباح الماضي؟ يا لها من مفارقة.

يتبع >>>




2/17/2015

حفلة جنون في الشرق الأوسط (2) - ولادة الوحش القوقازي لفاضل الربيعي

أبوبكر الغدادي زعيم تنظيم داعش
الكاتب: فاضل الربيعي

بدأت ملامح ولادة (خراسان) كتنظيم متوّحش تتشكلّ داخل الحوض القوقازي، ثم امتداداً حتى الحدود الأفغانية- الباكستانية، مع تدفق المقاتلين ( الجهادين القوقاز) والشيشان والأفغان والباكستانيين نحو سورية والعراق، وتواتر الأنباء عن صراعات حقيقية تخوضها جماعات متوّحشة هناك، حول الموقف من ( دولة الخلافة في الشام والعراق). ويبدو أن الأمراء القوقاز باتوا يلعبون دوراً مركزياً في هذه الصراعات، وذلك بعد مبايعات علنية ل( الخليفة البغدادي). وبحسب الوقائع الراهنة، فقد انتقلت هذه الصراعات إلى أرياف حلب وادلب والرقة ودير الزور والموصل، وذلك مع تفجرّ التناقضات الداخلية بين المجموعات الشيشانية- الأفغانية- الطاجيكية. ولعل اعلان (دولة الخلافة) مؤخراً عن إعدام مجموعة من ( المجاهدين القوقاز) بحجة ارتباطهم بجهاز المخابرات الروسي KGB، والحديث عن (اختراق أمني) يؤكد بشكل قاطع، أن الصراعات على الحدود الأفغانية- الباكستانية، قد انتقلت إلى بلاد الشام والعراق، واصبحت صراعات ( محلية).وثمة مغزى عميق في فكرة إطلاق اسم (خراسان ) على هذا الإقليم، فقد أطلق (المجاهدون) الأفغان والباكسنانيون والطاجيك والشيشان اسم ( ولاية خراسان ) على المنطقة الفاصلة بين الحدود الأفغانية- الباكستانية بعد ( مبايعة) أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين. وفي نيسان/ إبريل 2013 انتقلت ( مبايعة البغدادي) من الحدود الأفغانية- الباكستانية إلى أرياف سورية ، حين أعلن أحد قادة طالبان ويدعى أبو عمر الخراساني مع خمسة من الزعماء عن مبايعة البغدادي. وهو ما أثار حفيظة الجماعة القوقازية التي استنفرت صفوفها وأعلنت باسم زعيمها أمير القوقاز أبو محمد الداغستاني عن رفض البيعة؟ كل هذه المؤشرات، تؤكد ان ولادة ( تنظيم خراسان) باتت وشيكة.

فما هو الهدف الحقيقي من الضربات الجوية التي يقودها التحالف الدولي ضد داعش؟ هذا السؤال الحائر الذي يدور على كل الألسنة اليوم، يرتبط بوجود وقائع صادمة، تؤكد أن كل ما تحقق طوال الأشهر الثلاثة الماضية وبعد نحو 1200 طلعة جوية ، لا يتخطى ( تحرير) 1% من الأرض التي تسيطر عليها داعش؟ فماذا يعني ذلك؟ أنه يعني ببساطة، أن الاستراتيجية الحقيقية للولايات المتحدة الأمريكية، هي إضعاف ( تنظيم داعش) والحفاظ في الآن ذاته على مشروع ( دولة الخلافة). ولأن دولة الخلافة تخوض حربها في آن واحد، ضد الدول التي اقتطعت منها نحو 40% من جغرافيتها ( العراق وسورية) وضد الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود تحالفاً دوليا لتحطيمها – كما يُزعم- فهي في هذه الحالة، سوف تصوّر نفسها وكأنها تخوض حرباً ذات بعد ( تحرريّ) من اجل ( الاستقلال). وهذا ما يماثل وبتوافق كلياً مع ولادة إسرائيل، فهي ولدت كدولة دينية لليهود نتيجة ( حرب تحررّبة) ضد الاستعمار البريطاني بحسب ما يزعم التاريخ الرسمي. ولرسم تصوّر أوليّ- يتنبأ- بما يمكن أن يحدث في أعقاب هذه الصراعات المتراكبة في المنطقة، فسوف أقوم بوضع خريطة عامة تبدأ من سورية والعراق، ثم سيناء المصرية، فالجزائر ( حيث بوكو حرام على الحدود مع تشاد والكاميرون )

1: صراع داعش وخراسان
في التاريخ الرسمي للإسلام، حمل الخراسانيون راية العباسيين، وخاضوا – باسمهم- معاركهم الكبرى ضد الدولة الأموية في بلاد الشام.ولكنهم سرعان ما دخلوا مع العباسيين في صراع مرير، انتهى فعلياً بسيطرتهم – غير المباشرة- على الخلافة ، ونحن نعلم من هذا التاريخ، أن مصطلح ( الشعوبية) قد ولد في هذه الآونة، عندما بسط الخراسانيون سيطرتهم على مقدرات الخلافة. اليوم، يعيد الغرب الإمبريالي إنتاج الواقعة ذاتها: خلق (خراسان جديدة) تكون مهمتها ممارسة أقصى درجات الوحشية لتقوم ب( بافتراس الخلافة) وإلتهامها، وتأسيس( دولة) إسلامية جديدة، تقطع مع التاريخ العباسي القديم في حقبة التأسيس ( أي ما يزعم انها حقبة تأسيس الخلافة في بغداد على يد الخليفة أبو العباس السفاح). هذا التاريخ الذي يعاد ( إنتاجه) هو ما تسميّه داعش في أدبياتها بمرحلتي : التوّحش والتمكين، أي أن دولة الخلافة سوف تنتقل من التوّحش إلى بناء ( دولة طبيعية ) فقط بعد ( التمكين) . إن مصطلحي التوّحش والتمكين هما من صلب أدبيات داعش. ولعل الكتاب الصادر عن مؤسسة وهمية تدعى (مركز الدراسات والبحوث الإسلامية) باسم مؤلف مجهول ( وهمي) يدعى أبو بكر الناجي ويحمل عنوان (إدارة التوحش ) يدعم حقيقة أن التوّحش الديني ليس مجرد ممارسات وحشية؛ بل هو استراتيجية تقوم على أسس فقهية واجتهادية تستمد نصوصها من تراث ديني متواصل. لقد صدر الكتاب قبل الإعلان عن ولادة داعش، ولكنه قام بشرح جوهر فكرة التوّحش بطريقة صريحة للغاية.

ولأن الغرب الإمبريالي، يقوم فعلياً بإعادة بناء فكرتنا عن أنفسنا وتاريخنا، فهذا يعني أنه يقوم اليوم فعلياً بصياغة الماضي بوصفه مستقبلاً، أي يعيد إنتاج ماضينا القديم بوصفه مستقبلنا، لكي نعود القهقرى في قلب التاريخ وإلى اللحظة الخراسانية ذاتها، حين كانت شعوب الحوض الأفغاني- الباكستاني ( القوقازي) تقرر مصير الخلافة العباسية في لحظة صراعها مع بلاد الشام. إننا امة تعود إلى الماضي. وحين تعود الأمم إلى الماضي، فذلك يعني أنها تمضي نحو موتها كأمة. نحن حقاً، امّة في حالة موت تاريخي لأننا نتوهم المستقبل مستقبلاً، بينما هو ماضِ قديم ليس فيه سوى لحظة توّحش طويلة.وذلك، يمكن التنبؤ – منذ الآن- بأن الأحداث العاصفة في المنطقة سوف تتجلى في صورة موجة توّحش جديدة، ما بعد داعشية وتكون أكثر فظاعة، قادمة من الحدود الأفغانية- الباكستانية : أعداد هائلة يصعب حصرها من الوحوش البشرية قادمة من الحدود الأفغانية- الباكستانية، سوف تتجه إلى قلب العالم العربي، وبحيث تصبح داعش اشبه بجرذ صغير داخل غرفة مظلمة فيها مصيدة فئران وقط جائع؟