آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

3/29/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (3) - خطاب الكراهية الجديد

 الاستاذ المفكر فاضل الربيعي
الكاتب: فاضل الربيعي

توسّع فارسي أم خطر شيعي؟

شاعت خلال السنوات الأخيرة في المؤلفات والكتب والمقالات والتعليقات السياسية، تصوّرات ومواقف عن خطر إيراني مزعوم يهددّ العالم العربي، يمكن تلخصيها في فكرتين متناقضين تقول إحداهما، أن هذا الخطر له طابع قومي صرف، ولذا فهو خطر فارسي، بينما تقول الأخرى أنه خطر مذهبي، ولذا فهو خطر شيعي. وفي نطاق التدليل على صحة هذا التصوّر، غالباً ما يلجأ مُروّجوه إلى التاريخ الإيراني ليستلّوا منه وقائع ومعطيات زائفة. إن النقد السياسي لسلوك إيران كدولة أمر مشروع لا جدال فيه، ومن حق أي شخص أن ينتقد سياساتها هنا أو هناك، لكن ليس من حق أي أحد، أن يتلاعب بتاريخ أي بلد، أو أن يُرغم وقائعه وأحداثه على قول ما لم يقله. إن أحد أكثر أوجه التلاعب مأسويّة بتاريخ إيران في الأدبيات السياسية العربية السائدة، تتجلىّ في وجود نزعة لا حدود لها لتزييّف الوقائع وابتكار المصطلحات السخيفة، فما من ناقد لإيران إلا وزعم أن هذا التاريخ بكل ما فيه هو تاريخ أطماع فارسية أو شيعية، وأن إيران الحديثة، هي ذاتها القديمة بأطماعها التوّسعية ونزعتها ( المذهبية). إن نقاشاً موضوعياً يبتعد عن روح الإنتقام ويتحرّى بأكثر ما يمكن من الحيادية العلمية والنزاهة، صحّة ما ينقل من وقائع وأحداث، والتدقيق فيها وفحصها والتأكد من صلابة مقولاتها، هو وحده الذي يمكنّا من تقديم فهم افضل لإيران مهما كان رأينا بها، ضدها أم معها. من حق كل ناقد لإيران أن يقررّ الموقف الذي يؤمن به، ولكن شرط أن يكون نزيهاً وموضوعياً في معالجة وقائع التاريخ. ولئن كان ( نقد إيران) في الأدبيات السياسية العراقية- العربية وفي الدراسات الفكرية- التاريخية السائدة، انتج معرفة زائفة ومُضللة اضحت خلال العقود الماضية مادة مُهْيمنة في نظام التعليم المدرسي والدينيّ وفي وسائل الإعلام ؛ فإن التغاضي عن الحاجة الملحّة لدراسة إيران، ورفض أيّ محاولة جادّة لتقديم فهم خلاق ومغاير، سوف يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تعميم هذه المعرفة الزائفة في المجتمع؛ بل وتحوّلها بواسطة التشهير السياسي الرخيص والتحريض الإعلامي المتواصل إلى ثقافة مجتمعية صلبة يصعب زعزعتها.

انقدوا إيران ماشاء لكم، لكن حذار من قراءة تاريخها بشكل مغلوط. لقد بيّنت وقائع وأحداث السنوات القليلة الماضية ، أن ( نقد إيران) كان يرتكز إلى ما يُزعم أنه ( تاريخ إيران الحقيقي ) فيقال غالباً، أن لها اطماعاً فارسية قديمة ومتواصلة، وأن تاريخها الحديث يؤكد ذلك. كما يُزعم أن هذه الأطماع هي من طبيعة مذهبية، وأن إيران الفارسية لا تطمع في أرض العرب وحسب؛ بل وتشكل خطراً مذهبياً ( شيعيّاً ) داهماً. ومع تعميم هذين التصوّرين الزائفين اتتشر نوع مرضي من الخوف بات مُهيمناً على الخطاب السياسي العربي. في مصر مثلاً، وخلال حقبة حكم محمد مرسي، بلغت هستيريا ( الخوف من الخطر الشيعي) ذروتها حين قامت مجموعة من المهووسين بقتل عائلة رجل دين مسلم بطريقة وحشيّة، حين جرى سحلها في ازقة حي من أحياء ضواحي القاهرة، بحجة أنه ( شيعي) وذلك ما اضطرّ الكاتب الصحفي والمؤرخ الشهير محمد حسنين هيكل للقول خلال ندوة تلفزيونية، وهو يعبّر عن غضبه من هذا السلوك الوحشي، أنه حصل على احصائية رسمية تبيّن أن عدد الشيعة في مصر لا يتجاوز 18 الفاً؟ وللمرء أن يتساءل عن سرّ ( الشيعة فوبيا ) هذه في بلد تعداده 90 مليوناً ؟ مم تخاف هذه الملايين من المصريين؟ من 18 ألفاً ؟ هذا شئ مريع ولا يمكن تصديقه. إن ثقافة من هذا النوع سوف تنشئ بكل تأكيد الأرضيّة الملائمة لا لتفجير النزاعات المذهبية في العالم العربي على نطاق أوسع فأوسع؛ بل وتحرث الطريق وتهيئ الظروف لظهور نمط جديد من الصراعات يحلّ فيه ( العدو الوهمي) محل ( العدو الحقيقي). بفضل التزييف والتلاعب بالجماهير والتاريخ والثقاقة القديمة، سوف يكون لدينا بديل عن الخطر الذي يهدد العرب، أي خطر الصهيونية وإسرائيل، لتصبح إيران ( والشيعة) هما الخطر الجديد. وهذا وحده كاف لتفجير صراع عربي- فارسي، بديل عن الصراع العربي-الإسرائيلي. في هذا السياق، سوف أورد الواقعة التالية وهي مهمّة للغاية في أيّ تحليل سياسي رصين: في نهاية عام 1980 وبعد أشهر من الحرب العراقية- الإيرانية زار محمد حسنين هيكل بغداد بدعوة من صدام حسين. في هذا اللقاء سأل الرئيس صدام ضيفه : قل لي، ماذا تعتقد؟ كم يلزمنا من وقت لهزيمة إيران؟ ردّ هيكل قائلاً : أستطيع أن أقول لك انها حرب ال100 عام؟ دهش صدام حسين، فقال بعد لحظة تأمل : حسناً، دعنا نلتقي اليوم على العشاء. ساتصل بطارق عزيز لينضمّ لنا. في ذلك المساء سمع طارق عزيز رأي هيكل في مسار الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يصدّق أبداً ، ولا للحظة واحدة، أن هذا التقدير يمكن أن يكون واقعياً.

بعد ثماني سنوات من هذا اللقاء اليتيم، توقفت الحرب مع إيران، لكنها فعلياً تواصلت بأشكالٍ أخرى، فالأحزاب الدينية الموالية لها ضاعفت من نشاطها العسكري والسياسي في العراق. في عام 1990-1991 كان العراق يدخل في ( الفخ الكويتي) ولتبدأ منذئذٍ حقبة سوداء من الحصار الدولي المدّمر، تصبح فيها إيران لاعباً رئيساً في الداخل العراقي ( خلال هذه الحقبة حدث ما يعرف بالإنتفاضة الشعبانية وسقطت 14 محافظة عراقية في قبضة الأحزاب الشيعية وكادت بغداد تسقط). في عام 2003 قام الأمريكيون بغزو العراق، واصبحت إيران لاعباً رئيساً. هذا يعني أن الحرب مع إيران استمرت بوسائل أخرى، واصبح عمرها في لحظة سقوط بغداد فعلياً 23 عاماً ( 1980-2003). اليوم يصبح عمر هذه الحرب 35 عاماً. ألا يعني هذا أنها حرب طويلة قد تستمر 100 عام؟ فهل هي حرب من أجل أطماع ( قومية- فارسيّة) أم من أجل أطماع ( مذهبية- شيعيّة)؟ في المرحلة الأولى من الحرب العراقية- الإيرانية جرى تعميم تصوّر يقول إن ما يواجه العراق والعالم العربي ، إنما هو خطر فارسي، وان أطماع إيران هي أطماع قديمة مستمرة ومتواصلة. وفي المرحلة الثانية جرى تعميم تصوّر زائف موازٍ يقول، إن إيران تمثل ( خطراً شيعيّاً )؟ اليوم، وبعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب يجري دمج هذين التصوّرين الزائفين في صورة خطر مزدوج: إنه الخطر الفارسي- الشيعي؟
الآن دعونا ندّقق أولاً- من منظور التاريخ المُتلاعب به- في صحّة هذين التصوّرين الزائفين المخادعين .

1 : إذا كان هناك خطر فارسي قديم يهدّد عروبة العرب، فمن المهم أن نحصل على دلائل من التاريخ،تؤكد وجود أطماع فارسية في الأرض؟ متى قام الفرس بالضبط، بشن حروب ضد العراق والعرب كان هدفها الإستيلاء على الأرض ؟ ليس لدينا أي واقعة واحدة من التاريخ تؤيد مثل هذا التصوّر؟ أجل، هناك حروب في التاريخ البشري تدور حول فكرة التوسع والإستيلاء على الأرض. لكن هذا المعطى التاريخي الصحيح ، لا يتيح لنا الفرصة والحق لنفترض أن كل حرب أو نزاع حدودي هو ( اطماع قومية). كانت هناك حروب قاسية، لكنها لم تكن ذات طابع توّسعي. إن نشوب الحروب بين الدول التي تملك حدوداً مشتركة ، ظاهرة عالمية الطابع. الفرنسيون والألمان مزقوا بعضهم بعضاً في الألزاس واللورين، لكن لم تكن هناك قط أطماع فرنسية أو ألمانية في الأرض. كان الصراع يدور في نطاق المصالح والنفوذ. الأتراك والإيرانيون تقاتلوا طوال 700عام متواصلة، ولم تكن هناك أطماع في الأرض. حتى الحرب العراقية - الإيرانية في خريف 1980 التي بدأت في صورة معارك على الحدود، لم تكن في جوهرها حرباً للسيطرة على الأرض. كانت نزاعاً تقليدياً على المصالح في النفوذ والقوة. إن الحروب بين الدول لا تقوم بالضرورة من أجل أطماع في الأرض. ثمة الكثير من الأسباب والعومل التي تؤدي إلى تفجرّ نزاعات طويلة.

فهل من المنطقي الزعم أن الخطر القومي هو في الآن ذاته (خطر شيعي) قديم تعود جذوره إلى الدولة الصفوية عام 1500م؟ هذا غير منطقي تماماً، لماذا؟ لأن الفارسيّة مكوّن قومي تاريخي من مكوّنات الهويّة الإيرانية، بينما الشيعيّة مكوّن ديني- مذهبي حديث؟ فكيف يمكن دمجهما في صورة واحدة، وهما مكوّنان متصارعان داخل الهويّة الإيرانية نفسها؟

2: وإذا كان هناك من يزعم أنه خطر شيعي ( يهدد العراق والمنطقة) فهذا تزييف لا مثيل له، لإن إيران هي التي اعتنقت مذهب أهل العراق ولم تفرضه عليهم؟ إن الأثني عشرية ليست مذهباً إيرانياً يمكن لها أن تفرضه على هذا البلد أو ذاك؟ ولذا، يصبح الزعم أن الشيعة العراقيين هم ( صفويون) من أتباع إيران كذبة رخيصة روّجها مزّورو التاريخ. كان احتلال العراق في عهد الدولة الصفوية 1501م تطوراً في سياق حروب طويلة مع العثمانيين، وهؤلاء تمكنوا مرات ومرات من احتلال العراق وطرد الإيرانيين. لقد كان الصراع يدور في نطاق المصالح الاستراتيجية الكبرى بين قوتين مركزيتين في المنطقة، سعت كل واحدة منهما لتقديم نفسها على أنها القوة المهيمنة. وفي نطاق هذه الحروب، لعب المذهبان ، مذهب أهل السنة والجماعة والمذهب الشيعي، دور الغطاء الإيديولوجي أو الأداة الإيديولوجية لتبرير الصراع أو التغطية على طبيعته طوال اربعمئة عام 1500-1900م. وبطبيعة الحال، فلم يكن من أهداف الأتراك طوال هذه القرون الأربعة فرض المذهب السنيّ، كما أن خصومهم في إيران لم يسعوا إلى فرض الشيعيّة على كل سكان العراق؟ المثير للدهشة أن الذين يرّوجون لهذا الخطاب اللاتاريخي، يجهلون أن إيران خلال الصراع مع العثمانيين السنّة، اعتنقت الأثني عشرية وهي في الأصل مذهب أهل العراق؟ أي أن إيران عادت مرة أخرى تفتش في دروب التاريخ – وهذه المرة مع انهيار دولة الإسلام- عن مذهب أو رسالة أو إيديولوجيا دينية، وقد وجدتها في العراق؟ بكلام آخر، إن من يزعمون أن إيران هي التي فرضت المذهب الشيعي على العراقيين، أو صبغته بصبغتها الصفوية أو حوّلتهم إلى ( صفويين) إنما يزّورون التاريخ بطريقة فجّة، لأن إيران تخلت في هذا الوقت عن الصفوية واعتنقت مذهب أهل العراق؟ كل ما سعى إليه الشاه عباس الأكبر بعد احتلال العراق، وتمنى تحقيقه دون جدوى، هو أن يتمكن بواسطة الضغط على رجال الدين والتجار الشيعة في الكاظمية والنجف وكربلاء، وتهديدهم بالحرمان من شبكة الروابط الروحية والتجارية مع المدن الإيرانية من الحصول على موافقتهم اعتبار ( الصفوية ) جزء من تراث الشيعية. وكان هذا أمراً مثيراً للجدل، لأن تراث الأثني عشرية في العراق هو تاريخ قطيعة مع كل الفرق الصغيرة التي خرجت عن نظرية الإمامة. لا أحد يبرئ الشاه عباس من جرائمه، فهي طاولت الشيعة والسنة معاً، لكن وبصدد هذه النقطة المحددّة، يقتضي الإنصاف التاريخي وضعها في سياقها الصحيح دون تهويل ومبالغات.

بهذا المعنى فقط، اتخذ ( الخطر الشيعي المزعوم) طابعاً خاصاً، فقد كان سجالاً داخل نظرية الإمامة الجعفرية، ولم يكن خطراً موجهاَ نحو كل المواطنين من أبناء المذاهب الأخرى. ولو كانت هناك أطماع ( مذهبية- شيعية) حقيقية، لأصبح العراق شيعياً ولتوارى أهل السنة من التاريخ؟ ألم يحوّل صلاح الدين الأيوبي مصر الفاطمية- الشيعية إلى (بلد سنيّ )؟ ألم يحوّل إسماعيل شاه الصفوي إيران السنيّة إلى ( بلد شيعي)؟ فلماذا لم يحدث الأمر نفسه مع العراق حين خضع لاحتلال الصفويين، لو كانت هناك أطماع ( مذهبية)؟ في الواقع، كان الصراع يدور في نطاق مصالح كبرى لا داخل الدين، وكانت الصفوية في هذا الوقت تلفظ أنفاسها بعد أن اعتنق إسماعيل الشاه المذهب الأثني عشري. لكن الأسرة الصفوية، ولإعتبارات تتعلق بوضعها الداخلي والتوتر المتواصل مع الجماعات الفارسية،كانت بحاجة لاعتراف رجال الدين الشيعة في العراق، بأن ( تراث الصفوية ) جزء من تراث الشيعية الجعفرية. فكيف يقال أنه فرض المذهب الصفوي على العراقيين؟ هذا تزييف للتاريخ.

3: ولتوضّيح هذا الجانب، يجب أن نلاحظ أن العرب مثلهم مثل إيران، عاشوا ما يشبه حالة تناقض أو توتر بين المكوّنين القوميّ والدينيّ داخل هويهّتم. في حالة العرب، ومع بروز حركة القومية العربية في مطالع القرن العشرين- وقبل ذلك بقليل- عاشت معظم البلدان العربية في قلب صراع بين النزعة القومية والنزعة الإسلامية. لقد غلبّت الحركة القومية نزعة العروبة على حساب نزعة الإسلام، وبالتالي، فقد شكلت حركة القومية العربية تحديّا حقيقياً للجماعات الإسلامية، نظراً لمنطلقاتها وأهدافها وأحلامها بأمة عربية، بينما كان المكوّن الديني- الإسلاموي في المجتمع العربي ينادي ب( أمة إسلامية ) واسعة تتعدى نطاق الجغرافيا العربية ؟ وفي حالة إيران، فقد عاشت إيران وماتزال، صراعاً حقيقياً بين نفس المكوّنين الرئيسيين في هوّيتها التاريخية : النزعة القومية والدين؟ وهذا حقيقي تماماً. إن الذين يرّوجون للفكرة الزائفة القائلة، إن إيران الحديثة تشكل خطراَ مزدوجاّ ( قومياً ومذهبياً ) على العرب، لا يعرفون أي شئ عن طبيعة التوتر التاريخي بين المكوّن القومي والمكوّن الديني- المذهبي في هويتها، وهو متواصل ومستمر منذ انهيار الدولة الصفوية. في عام 1500م وبعد انتصار الحركة الصوفية- الإسلامية السجلوقية واستيلائها على المزيد من الأراضي الإيرانية، كان القوميون الفرس يدفعون بإتجاه أن يغلب الطابع القومي على شكل الدولة الحديثة ودورها، بينما سعى خصومهم إلى غلبة المكوّن المذهبي.وهكذا، تفجرّ- مع انتصار الحركة الصفوية- صراع مرير بين المكوّنين التاريخيين في الهويّة الإيرانية.

مرّ هذا الصراع بأربع مراحل كبرى:
المرحلة الأولى : صراع الحركة الصوفية - الإسلامية ( المسمّاة الصفوية ) مع القوميين الفرس.اتسم الصراع طول قرنين متواصلين من 1500 حتى عام 1700م، بكونه صراعاً مرّكباً ومتشابكاً اختلطت فيه الروح القومية بالتطلع إلى إيديولوجيا دينية تكون عقيدة الحكم. وفي نطاق هذا الصراع، شعر الفرس وهم الأغلبية السكانية في إيران، أن الأسرة الصفوية بجذورها السجلوقية ( التركية) تعمل على إقصاء المكوّن القومي الفارسي، والإعلاء من قيمة وشأن المكوّن الإسلامي المذهبي، ورأوا في محاولات الشاه إسماعيل ثم الشاه عباس(عباس الأول 1571 - 1629 ويعرف باسم عباس الأكبر) لا مجرد محاولة لامتلاك إيديولوجيا دينية تساند تطلعاته لدحر العثمانيين الأتراك؛ بل سياسة ممُنهجة لإقصاء البعد الفارسي كلياً. وهذا ما أثار حفيظة القوميين الفرس. في الواقع لم يكن من مصلحة الحركة الصفوية بما أن جذورها سلجوقية- تركية، أي حركة (غرباء) و( أجانب) أن تعليّ من شأن القومية الفارسية، وعلى العكس من ذلك،وجدت- بعد انتصارها واستيلائها على إيران- أن من مصلحتها أن يغلب المكوّن الديني- المذهبي، فهذا وحده ما يؤمن لها نوعاً من الإندماج الاجتماعي بالسكان الأصليين. وهكذا، وحين جرى التخلي عن الخطاب الصوفي- الإسلامي القديم، تلاشت الحركة وجرى رسمياً اعتناق المذهب الأثني عشري، وليصبح هو المكوّن الغالب على الدولة. في هذه الحقبة هُزم القوميون الفرس وتلاشت أحلامهم. لقد لعب اعتناق الصفويين للمذهب الشيعي – الأثني عشري، دوراً مركزياً في تحفيز شعور الأمة الإيرانية لمواصلة الصراع ضد العثمانيين في تركيا، وكان من شان ذلك، أن الصراع اتخذ طابع صراع مذهبي سني- شيعي استمر نحو 4 قرون متواصلة فوق أرض العراق ( حتى 1900م). ومع ذلك، فقد كان البُعد الحقيقي للصراع واضحاً وصريحاً ، فهو صراع أمتين قويتين، إيرانية وتركية حول المصالح الاستراتيجية الكبرى في المنطقة، ولم يكن الطابع المذهبي سوى أداة في هذا الصراع.

المرحلة الثانية : القاجاريون وتوازن القومية والمذهب . إذا كان العصر الصفوي عصر تغليب المذهب الشيعي على القومية الفارسية؛ فإن عصر الأسرة القاجارية التي استولت على السلطة، كان على العكس من ذلك، عصر التوازن بين المكوّنين. كان القاجاريون من القبائل التركمانية القوية التي تمكنت من الاستيلاء على أجزاء واسعة من إيران.في عام 1719 م زحف هؤلاء بدعم من الأفغان السنّة بقيادة الغلزاي (گلزاي) على مملكة الصفويين. وفي عام 1722 م استولوا على أصفهان وقاموا بخلع الشاه حسين ثم أعدموه سنة 1726 م. في هذه الحقبة عاشت إيران حكماً مزدوجاً يتقاسمه الزند والأفشريين، أي السنّة من اصول أفغانية مع الصفويين السلاجقة القاجاريين الأتراك، حتى أن الغلزاي أنشأ 1736م حكومة ظل صفوية شكلية على راسها شاه من الأسرة الصفوية مجرّداً من السلطة.

وفي هذا الوقت انتقلت السلطة كلياً إلى القاجاريين. كان القاجاريون يلاحظون أن مشكلة الهويّة الإيرانية، تتمثل في التوتر القائم بين المكوّنين القومي والمذهبي، ولذا عملوا على إحداث نوع من التوازن يمكنّ الدولة من الإمساك بجناحي المجتمع الإيراني: القوميون والمتدّينين، ولذا تجنبوا فرض أي طابع قومي او مذهب على شكل الدولة ودورها.

وكما يلاحظ، فقد عاشت إيران طوال هذه القرون في قلب صراع بين المكوّنين الفارسي والمذهبي، ولم تكن هناك أي ظلال لأطماع فارسية في الصراع ضد تركيا العثمانية أو أيّ مطامع ( مذهبية)؟

المرحلة الثالثة : سقوط القاجاريين وصعود الأسرة البهلوية . لكن القاجاريين، وبالرغم من صلاتهم الطيبة مع الإنجليز( شركة الهند البريطانية ) لم يصمدوا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، واهتز عرشهم عام سنة 1925 حين قام رئيس الوزراء رضا خان بهلوي بخلع الشاه القاجاري أحمد ميرزا واتخذ لنفسه لقب الشاه. كان رضا خان قومياً فارسياً يكنّ كراهية شديدة لرجال الدين، ولذا سعى إلى تغليب المكوّن القومي على المكوّن المذهبي. وكان من الواضح أن العداء لرجال الدين الشيعة في عهد الشاه الأب ، ثم الإبن، هو تجسيد بليغ لهذا التوتر التاريخي بين المكوّنين.وحتى عام 1979 ومع سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي، لم تشكل إيران أي ( خطر شيعي ) على العالم العربي ( السنيّ ). كانت الفارسية والشيعيّة تتصارعان في قلب إيران وتصبحان مع الوقت موضوعاً داخلياً، لكنهما لم يصبحا قط، ولا في أي وقت ( سياسة رسمية ) إزاء العالم العربي.

أثناء الصراعات والأزمات الكبرى، سوف يبدو أمراً مستحيلاً فهم سلوك أي بلد أو قوة إقليمية- دولية ، واستخلاص النتائج الصحيحة من سياساتها إزاء هذه المسألة أو تلك، إلا إذا كان هناك فهم عميق يرتكز إلى معرفة علمية حقيقية بطبيعة تكوّينها التاريخي (وهويتّها) وبنوع وطبيعة المصالح التي تثير اهتمامها، وما هي العوامل الدافعة في هذا السلوك. إن فهم ( الآخر) فهماً صحيحاً هو الذي يساعد على اتخاذ الموقف الصحيح. والحال هذه؛ فإن فهم إيران أصبح اليوم حاجة ملّحة قبل أن تضيع الفرصة وينزلق العرب في وهم الصراع ضد خطر لا وجود له بديلاً عن مواجهة الخطر الحقيقي؟

لقد خلق الأعداء الحقيقيون لنا، ولأجلنا (عدوا وهمياً ) ينتابنا الهوس ونحن نحاربه، بينما هم ينعمون بالهدوء ويقهقهون لرؤيتنا وقد أصبحنا نحارب طواحين الهواء، مثل دون كيشوت في رواية سرفانتس الرائعة. وهم يأملون، بالطبع، أن يتواصل ( وهمْ العدو) هذا، والصراع المرير والدامي ضده مئة عام أخرى؟
المزيد...

هل علينا ان نحارب اليمن؟

شعار حركة انصار الله (الحوثيون) 

لم أكن اعلم حين كتبت على عجالة تدوينتي السابقة بان السعودية كانت تحضر طائراتها لقصف اليمن خلال ساعات. لذا فقد كنت اعبر على عجالة عن رؤيتي للواقع في المنقة وقد لا يكون ما طرحته قد رسم صورة واضحة عن رؤيتي.

أولا أرغب بتوضيح القواعد التالية والتي أرى انها اساسية للتعامل مع الواقع الحالي في المنطقة:
  1. هناك فرق بين الشعوب والحكومات ومواقفنا السياسية تختص بالحكومات لا المواطنين ذلك أن شعوب المنطقة بالعموم مضطهدين من اقليات تحكم الدولة وتتحكم بمصير الشعوب وقراراتها. وعليه فإن الشعب اليمني والايراني والعراقي والسعودية وجميع شعوب المنطقة يعانون الالم نفسه.
  2. لا يحق لنا الاعتداء على الآخرين لاتجاهاتهم الفكرية ومعتقداتهم او حتى لانهم يظهرون لنا العداء السياسي إلا ان اعلن هذا الطرف الحرب او اعتدى علينا. ولذا فإن تأيد ضرب داعش يأتي لانها اعتدت على دول المنطقة واعلنت الحرب عليها وليس لانها مختلفة عنا بالتوجهات او لانها تنتمي لتيار ديني معين.
قبل يومين القى حسن نصرالله خطابا يوضح فيه وجهة نظره المؤيدة لايران وبغض النظر عن رأينا في حسن نصرالله وحزب الله الا انه طرح نقطة مهمة تجاه الاحداث الحالية في اليمن والوطن العربي. 

إن توسع ايران جاء لسببين اساسيين أولها، كما قال نصرالله، إننا كدول وحكومات عربية (تنابل) أي أننا كسالى ولا نقوم بواجباتنا تجاه الدول المحيطة لنا وتجاه معتقداتنا. ثانيا أننا لسنا فقط تنابل بل إننا نعمل بشكل او بآخر ضد اخواننا في المنطقة ونحاول ابتزازهم والضغط عليهم بل وفرض قراراتنا عليهم.

وبالعودة بالزمن لحرب الخليج الأولى عام 1980 بين العرق وايران فإن الخليج العربي قدم دعم كبير للعراق لمحاربة ايران ذلك أن الخليج العربي يعتبر ايران ما بعد الثورة الاسلامية فيها عدوا خطيرا رغم ان ايران كانت قد استولت على جزر طنب من الامارات العربية قبل الثورة الاسلامية ،ايام الشاه، ولم يكن عمر الثورة الاسلامية في ايران اكثر من عام حيث حصلت الثورة عام 1979 وبدأت الحرب عام 1980 (حرب الخليج الاولى).

بعد عشر سنوات انقلب السحر على الساحر واتجهت العراق نحو غزو الكويت وانتقلنا نحو حرب الخليج الثانية وبعدها بحوالي 11 عام ساندت دول الخليج كافة ومعظم دول المنطقة امريكا بحربها على العراق حيث سقطت بغداد بسرعة ولم تصمد.

وهنا علينا أن نوضح أن ايران لم تشارك بالحرب ضد العراق وان الجيش الامريكي دخل بدبابته وقصف بطائراته دولة سنية من أراض سنية وان من دخل على الدبابة الامريكية من الحدود السعودية هم من حكموا العراق لاحقا وهم من اتهموا بالتأمر الشيعي على العراق لاحقا أمثال الجلبي والمالكي. ولمن ينظر للامور بطريقة طائفية فإن من حطم النظام السني، بقيادة صدام، احل مكانه نظام شيعي هي امريكا والسعودية وليست ايران. ولكن بما ان العراق تحول بعد سقوط بغداد لساحة معركة ومن يحصل عليها يتمكن من الآخر فإن النزاع بين الخليج العربي من جهة وايران من جهة أخرى انتهى بانتصار ايران وتثبيت اقدامها في العراق لانها استطاعت تقديم الدعم للقيادات في حين تخاذل العرب وتركوا العراق لامريكا.

كذلك الحال بالنسبة لما حصل في اليمن فمع ثورات ما يسمى بالربيع العربي فقد واجه الشعب اليمني صعوبات كثيرة حتى تمكن من اسقاط علي عبدالله صالح إلا ان السعودية والتي لا تقبل بنظام خاضع لسيطرتها في اليمن لم تكن لتقبل خروج صالح الا بدخول حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو حزب اخواني وقيادته مثل عبد الله بن حسين الأحمر كانت تحت السيطرة السعودية (حزب التجمع اليمني للإصلاح). وذلك ما جعل الاخوان المسلمين وقطر التعاون مع السعودية رغم خلافات الكبيرة التي حصلت في بينهم مع ما اسموه الانقلاب على الشرعية في مصر.

لذا فإن اي طرف في اليمن لا توافق عليه السعودية او الاصح لا يكون خاضع لها، سواء كان مدعوما من ايران او غير مدعوم منها، ستكال له الاتهامات بالعمالة مع ايران خاصة وسيوضع تحت دائرة الشك الشيعية كما حصل مع سوريا ذلك اننا في السنوات الماضية صنعنا بعبعا كبيرا اسميناها ايران الفارسية الشيعية وألقينا عليه جميع التهم والمخاوف.

والحقيقة أن هناك ثلاثة مشاريع قائمة في المنطقة وهي المشروع الايراني والمشروع الوهابي السعودي ومشروع تركيا العثامنية بقيادة أردوغان فلم لا نخاف من مشروعين صنعو وصمموا داعش ونخاف من مشروع ايران؟ في مقالات أخرى لاحقة سأوضح خطورة المشاريع الثلاثة مجتمعة.

إن ما يسمون الحوثييون او حزب انصار الله ليسو شيعة بل فيهم من جميع الطوائف اليمنية وهم بالاكثر من الطائفة الزيدية. وحسب خطاب نصرالله  فلم يكن حتى هو يعرفهم الا من خلال الاعلام حتى وقت قريب. أي أن الحوثيين حين وجدوا من انفسهم محاصرين اتجهوا لايران التي استطاعت استقطابهم لا لأسباب طائفية كما يدعى ولكن لاسباب سياسية. ذلك ان اليمنين وجدوا انفسهم بين خيار سيطرة الاخوان المسلمين على الدولة كما حاولوا ان يفعلو بمصر وبين الهروب منهم لاحضان ايران. وعلى ما يبدو فإن ايران استطاعت اقناعهم بأنها ستقدم لهم الحلول الافضل.(حركة انصار الله)

إن الحوثيين استطاعوا السيطرة على معظم اليمن دون معارك تذكر واستطاعوا ايضا الضغط على الرئيس هادي، الذي هرب لاحقا لعدن وبعدها لخارج اليمن، لتقديم استقالته فهل من الممكن ان تكون فئة ضالة قليلة العدد، كما يروج في الاعلام، قادرة على السيطرة على كل هذه المناطق بهذه الطريقة وبهذه السرعة؟ أم انهم يشكلون الفئة الاكبر في اليمن؟ ولما وقف الجيش اليمني بمعظمه معهم ولم يقف مع هادي؟

إن كنا حقا نرغب في استعادة اليمن فعلينا ان نوقف الحرب عليها مباشرة ونساهم في خلق نظام يمني حر أما الترويج  لوقوف الاردن ومصر وغيرها من الدول في صف السعودية، او لنكون أكثر دقة تحت قيادة السعودية، في الحرب ضد الحوثيين فهو ترويج لدخولنا في محاور النزاع في المنطقة والتي ستدخلنا في حرب دموية ضد اخوتنا لا لحمايتنا من التمدد الايراني بل لتسليمنا كلقمة سائغة للتمدد الوهابي والتمدد العثماني.
المزيد...

3/26/2015

محور الشر ام محور المقاومة

 صورة تضم الرئيس بشار الاسد والرئيس الايراني نجاد والسيد حسن نصرالله


بالنسبة الي اي مشروع ديني هو مشروع لتدمير المنطقة بس ما عم بقدر افهم خوف الناس من ايران على انها مشروع شيعي .
انا بشوف ايران دخلت اللعبة كما هي كل المحاور بالمنطقة والموضوع بالنسبه الها كاي محور في المنطقة هو سياسي بحت.
الواقع الحالي للمنطقة هو اما قاتل او مقتول يعني ما في اي طرف محايد الكل في المعركة سواء شاء ام ابى. واللي حطنا في هاي المعادلة هو محور الشر الاكبر امريكا وقطر والسعودية وتركيا.
ما شفنا ايران بتدخل اي دولة وبترفع اعلام الحرية واللي دخل ليبيا ودمرها وسوريا ودمرها  ومصر والجزائر وتونس كلهم من التيارات السنية واللي هي تابعة لمحور الشر.
ايران ليست دولة ضعيفة وتطلعاتها ليس الخير الاكبر للمنطقة ولكنها على كل الاحوال ما دخلت المعمعة هاي الا لما الامور صارت خطر عليها خاصة مع شريكها الاساسي في المنطقة واللي هو النظام السوري وكان الوضع اما قاتل او مقتول فهل تعتقد انو دولة كايران بدها تسلم حالها بدون قتال او تنتظر دورها في الدبح؟
رح يسيطر محور ايران روسيا سوريا على كل من سوريا والعراق واليمن وهذا افضل سيناريو ممكن يصير لانو لو خسرت في هاي المناطق انتهت المنطقة وتم المشروع الامريكي وكل اللي شفناها من قتل ودمار لحد الان رح يكون مزحة للي رح يصير فينا.
انسب سيناريو لايقاف مشروع محور الشر التدميري انو يكون مقابله مشروع بديل وان كان هذا المشروع ليس الافضل ولا هو الطموح ولكن توازن القوى هو الشي الوحيد اللي رح يخلي كل الاطراف توقف وتعيد حساباتها وتهدي اللعب وبالتالي يعطينا فرصة نعيد حسابتنا ونرتب اوراقنا.
الملخص انتصار محور الممانعة او المقاومة في اليمن لا يشكل علينا اي خوف بل العكس هو السد المنيع اللي رح يخلي محور الشر يعيد حساباتو وما في خوف من توسع هذا المحور نحو مناطق ثانية على العكس تماما فانو محور الشر ما رح يوقف ولا بفكر يوقف قبل تدمير المنطقة.

المزيد...

3/20/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (2) - خطاب الكراهية الجديد

الدولة الصفوية في أقصى امتداد لها
الكاتب: فاضل الربيعي

هل يشكلّ العراق جزء من هويّة إيران التاريخية؟ بكل تأكيد نعم. كانت فارس القديمة تفتش في دروب التاريخ عن دين عظيم يتناسب مع حضارتها العريقة وقوتها الإمبراطورية، لكنها فشلت في إنتاج رسالة دينية كبرى. تلك كانت ( عقدتها التاريخية ) فهي حضارة عظيمة، لكنها لم تكن قادرة على إنتاج دين عظيم، وهي (عقدة) تشبه وتتماثل مع عقدة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. إن عقدة أمريكا تتجلى في كونها تمتلك القوة الحضارية ولكن دون رسالة روحية كبرى؟انها وبرغم جبروتها الحضاري- العسكري- السياسي عاجزة عن امتلاك رسالة روحية- ثقافية عظيمة للعالم؟ هكذا كان وضع فارس القديمة. لقد أعطى العراق لجارته القديمة أكثر ما كانت تطمح إليه خلال عصرين متباعدين . في المرة الأولى ( خلال عصري الدولة البابلية القديمة والحديثة) حين أصبحت فارس شريكاً دينياً في العبادات العراقية، وكانت عشتار إلهة الخصب معبوداً مشتركاً للشعبين. ولتقريب هذه الفكرة من أذهان القرّاء غير المتخصصّين، سوف أعطي المثال التالي : لقد تواصلت – واستمرت في مختلف العصور- لا عبادة الإلهة المشتركة في صورها ورمزياتها المتعددّة وحسب؛ بل وكذلك الطقوس والشعائر التقليدية. وكما ناح العراقيون القدماء على مصرع الإله تموز شقيق ( وحبيب) عشتار، فقد ناح الإيرانيون القدماء وسيرّوا مواكب الدموع والبكاء. وفي عصر الدولة البابلية القديمة، أصبحت عشتار معبوداً لشعوب المنطقة كلها تقريباً.إن البكاء على الحسين في إيران، بما يصاحبه من تقاليد مطابقة ومشابهة للتقاليد الشيعية اليوم في العراق، ليس نتاج ثقافة دينية طارئة جاء بها البويهيون ثم الصفويون بعد 1500 م كما يظن الكثيرون؛ بل هو نتاج استمرار الثقافة البكائية التي ورثتها فارس من جيرانها، حين كان سكان وادي الرافدين يعبدون الإله تموز وينوحون على مصرعه. لقد اصبحت فارس شريكاً دينياً منذ ما يزيد عن ألفي عام قبل الميلاد، واستمرت قروناً طويلة بعد ذلك. وقد لاحظ المؤرخ اليوناني هيرودوت 500ق.م أن المواكب الحزينة التي كانت تجوب شوارع بابل في هذا الوقت- وكل عام- احياء لذكرى مصرع تموز، كانت تشهد طقوس اللطم والنواح لايام عدّة.وكان الإيرانيون القدماء، وبرغم توتر العلاقات بين بابل وفارس مرات كثيرة عبر التاريخ الطويل، يواصلون أداء هذه الطقوس مع البابليين ويقومون مثلهم بأداء مراسم الحج الجماعي لمعابد عشتار (المعادل الرمزي اليوم لشخصية زينب).

ويذكر عالم السومريات هنري ساكز (عظمة بابل/ت.د. عامر سليمان إبراهيم/جامعة الموصل /1979) أن الحجّاج القادمين من فارس،كانوا يساهمون في ترميم معبد عشتار ويجلبون معهم الهدايا الذهبية في مواكب جماعية، وهو ما يذكرنا بتقاليد مماثلة تواصلت في العراق المعاصر؛ إذ بالرغم من تدهور علاقات العراق بإيران خلال حكم حزب البعث، إلا أن مواكب الحجاج الإيرانيين لم تنقطع، وحتى 1968-1970، ومع أول تدهور كبير في العلاقات بين طهران وبغداد،ظلت احتفالات العراقيين والإيرانيين المشتركة حاضرة بقوة، وكانت مشاهد وصول الشبابيك الذهبية للمراقد الشيعيّة المقدّسة وهي تخترق شوارع بغداد، مألوفة ومبهجة للجميع ( ما يعرف في الثقافة الشعبية بشباك العباس). لقد استمرت عبادة تموز وعشتار واختلطت- مع الإسلام- بعقيدة مقاتل الطالبيين ( أسرة علي بن أبي طالب). إن هذا المكوّن الديني التاريخي المستمر والمتواصل من بابل القديمة حتى فجر الإسلام، هو مكوّن عضوي في الهوية التاريخية لإيران.أما في المرة الثانية فكانت مع الإسلام. لقد امتلكت فارس، بفضل العراق مرة أخرى وفي عصر آخر، رسالتها الدينية التي كانت تحلم بها،وذلك حين دخل الإسلام أراضي فارس الفسيحة، ونشر المسلمون الأوائل هناك دين محمّد، ثم علمّوا الإيرانيين قراءة القرآن باللغة العربية. لقد تخلى الإيرانيون عن أديانهم الأيقونية القديمة ( الخرميّة والمزدكية ) وهي ديانات إصلاحية تركت تأثيرها الهائل في الثقافة الإيرانية، ليتقبّلوا بدلاً منها ديناً عربياً كبيراً هبّت رياحه من العراق.كانوا في الحقيقة بانتظار هذه اللحظة الكبرى في التاريخ. ولمّا كانت فارس امة عظيمة، وكانت بلا دين عظيم، فقد عادت تفتش من جديد عن رسالتها الدينية، وتجلت المفارقة أمامها ساطعة: أنها امة عظيمة بلا دين عظيم. وها هنا شعوب وقبائل عربية بدوية ممزقة لا حضارة ولا قوة لديها، ولكنها تمتلك رسالة دينية كبرى، فما العمل؟ هكذا لعبت الأقدار في مسرح الأمم: تقبّلت فارس القديمة دين قبائل العرب الممزقة لأنها كانت تبحث عن رسالة تتناسب مع حضارتها ودورها وأحلامها، وهي وجدت مبتغاها في ما تملكه أمة القبائل الممزقة. وهذا هو المغزى الحقيقي من القصة الأسطورية في التراث الإسلامي عن سلمان الفارسي الذي هاجر إلى ارض العرب بحثاً عن دين. لقد خرجت فارس بنفسها تفتش في صحراء العرب عن دين يجعل منها حضارة عظيمة وأمة قوية وبحيث تخرج من هضبتها الجرداء إلى عالم أوسع.

وهكذا عادت إيران لتصبح بعد الفتح الإسلامي، جزء من إمبراطورية عربية- إسلامية. أي أن الإسلام القادم من العراق، كان نقطة التحول التاريخي الكبرى التي ضمنت لفارس، أن تواصل دورها في التاريخ بقوة. بهذا المعنى؛ فإن شعور الإيراني المعاصر- مثله مثل الإسباني المعاصر- بأن هويتّه تتشكلّ من عناصر ثقافية تنتسب لشعب آخر، هو شعور حقيقي لا ينطوي على أي إحساس بالخجل أو النفور؟ إن شعور الإيراني المعاصر بقوة الإنتماء إلى ثقافة المحيط الجغرافي من بحر قزوين حتى شط العرب، هو الذي أنشأ المعتقد السياسي القائل، بأن الهويّة الإيرانية القديمة والحديثة هي نتاج تلاقح ثقافات هذا الحوض الروحي- الثقافي. إن الذين يصفون الإيرانيين اليوم بأنهم (مجوس) أي وثنيين يعبدون النار، لا يعرفون أي شئ عن هذه الديانة. إن تعبير ( مجوس) توصيف إحتقاري أطلقه الوثنيون الفرس، وقصد به توصيف الموّحدين المبشرّين بإله واحد بأنهم ( عبدة نجاسة ).ظهرت الزرادشتية نحو 1500 ق.م شرقي فارس ( ما يعرف بالإمبراطورية الأخمينية) وكانت تعاليمها الروحية تعدّ من اقدم وأكبر التعاليم الفلسفية الدينية التي ترتكز على فكرة أن العالم ينقسم إلى عالمين: عالم الخير وعالم الشر. لكنها تؤمن بقوة بالإله الواحد الذي لا شريك له؟ ليس دون معنى أن الأناجيل ذكرت المجوس بوصفهم جماعة موّحدة، جاءت لتعلن البشارة بولادة عيسى بن مريم ( يسوع الرّب)؟ لقد بشرّ الموّحدون الزرداشتيون بولادة ابن الرّب، فكيف نفترض أنهم كانوا وثنيين؟ إن كل من يصف الإيرانيين اليوم بأنهم مجوس، لا يفعل أكثر من تكرار لتوصيف استخدمه الوثنيون الفرس ضد اتباع الديانة التوحيدية الزرادشتيّة ( أي المجوسيّة)؟ لكن هذه الديانة القديمة ظلت محصورة داخل الهضبة الإيرانية كدين قومي لم يكن جذّاباً بالنسبة للقبائل الوثنية، كما أنها واجهت مقاومة شرسة تجلت في غلبة التوصيف الاحتقاري لها حتى اليوم. ولأنها لم تنتشر خارج فارس، أو تنتصر في محيطها وبيئتها التاريخية وتتحوّل إلى دين عالمي، فقد ظل حلم امتلاك دين عظيم فعالاً ومتواصلاً. وهكذا، وكما يُلاحظ؛ فإن استخدام تعبير ( الفرس المجوس) لا معنى ولا أساس له. إن الأساس الوحيد له ، هو أن يصبح مستخدمه اليوم في منزلة الوثني القديم الذي قاوم ديناً توحيدياً قديماً ؟ إن الذين يرددّون كالببغاوات الجملة التافهة التالية ( الفرس المجوس الصفويين) لا يفقهون أي شئ ممّا يقولون، لأن الفرس شئ، والمجوس شئ آخر، والصفويون شيئ لا علاقة له بين الأثنين؟ وأذكر أنني عندما ذهبت إلى بغداد للقاء القيادة العراقية ضمن وفد من المعارضين الوطنيين في أواخر عام 2002، قلت للأستاذ طارق عزيز ( فكّ الله أسره) في مكتبه، معاتباً وناقداً : بالله عليك يا استاذ طارق.من أين جئتم لنا بهذا المصطلح العجيب؟ كيف جمعتم الفرس مع المجوس مع الصفويين؟ إنه اصطلاح خاطئ جملة وتفصيلاً، تاريخياً ومنهجياً وسياسياً.

الصفوية ليست ديناً ولا مذهباً دينياً ولا يمكن اعتبارها مصطلحاً دالاّ على الشيعة المعاصرين. ظهرت الصفوية في الأصل كحركة صوفية- سياسية استخدمت تراث الإسلام، لتأسيس نظرية دينية- سياسية للحكم في مواجهة العثمانيين. وكان الشيخ صفي الدين الأردبيلي (1252-1334م) خال الشاه إسماعيل، رجلاً صوفياً أسسّ طريقته الصوفية في أردبيل (أذربيجان) سنة 1300م. في هذا الوقت أصبحت أردبيل عاصمة دينية ثم سياسية لأتباعه. تنتمي هذه الجماعة عرقياً إلى شعب تركماني عاش في إيران ( السلاجقة ) وكان الصراع ضد العثمانيين محتدماً في هضبة الأناضول على خلفية نزاع عرقي بين جماعتين قوميتين ( القبائل العثمانية وخصومهم سلاجقة أذربيجان). نجح الصفويون في الاستيلاء على بعض المناطق داخل إيران نحو (1447-1450م) ثم توسعوا في سنوات (1460-1488م) بعد نجاحهم في إنشاء تنظيم سياسي وعسكري ( ما يعرف بحركة القزلباش أو الرؤوس الحمراء نسبة إلى العمامة الحمراء التي يرتديها أتباع الطريقة الصفوية). وفي وقت تالٍ جرى ربط شعبي بين طريقة لف العمامة الصوفية- الصفوية باثني عشر لفة مع فكرة وجود اثني عشر إماماً شيعياً؟ في عام1501 -1524 م)أصبح إسماعيل الصفوي زعيماً للتنظيم واستولى على مناطق غيلان غرب (گيلان) ثم واصل توسعه في الأراضي الإيرانية سنوات 1499-1501 حتى تمكن من الإستيلاء على كامل بلاد فارس (إيران) وقام بطرد القبائل العثمانية. في هذا الوقت 1507م أقرّ السماعيل ( الذي أصبح شاه إيران) المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا للدولة. وكما يتضحّ؛ فلا صلة بين الفرس والصفوية؟ لقد كانت الصفوية طريقة صوفية- إسلامية نشأت في أذربيجان وانتصرت في إيران بالقوة العسكرية في سياق صراع عثماني- سلجوقي وانتهت أو تلاشت مع تلاشي مبررات بقائها؟ أما المذهب الأثني عشري، فهو مذهب فرقة من فرق الشيعة الإمامية جرى اعتناق تأويلاتها ومعتقداتها في العراق وإيران، ولا صلة لهذا المذهب بالطريقة الصوفية ( الصفوية) القديمة.

وهاكم بعض الملاحظات الإضافية :

1 : إن الفرس يشكلون اليوم نحو 43% من السكان ( و حسب آخر إحصائية في عهد شاه إيران محمد رضا بهلوي 1979م نحو 63% ) بينما يشكل الأتراك (الأذر والتركمان) ما نسبته 20%. أما العرب فيشكلون نحو 8% والأكراد 6%. وأكثرية الفرس هم على المذهب الشافعي وليسوا ( صفويين) ولا ( أثني عشريين) كما يتوهم الكثيرون، وهم يقطنون في محافظة فارس جنوب إيران وفي العاصمة طهران. كما أن الغالبية من سكان کردستان (من مدينة قصر شيرين شمال الأحواز إلى حدود أرمينية على طول حدود تركيا) فضلاً عن بلوشستان وبندر عباس والجزر الخليجية وبو شهر، وبحر قزوين حتى حدود تركمانستان وشرقي خراسان هم من أهل السنة. ولذلك يبدو مصطلح ( الفرس المجوس الصفويين) مثيراً للسخرية ، لأنه يجمع بين القومية الفارسية والديانة التوحيدية القديمة والطريقة الصوفية الإسلامية؟ أغلبية الفرس الذين يتعرضون لشتائم بعض العرب والعراقيين السنة، هم سنة شافعية وليسوا شيعة ولا مجوساً باستثناء نسبة صغيرة اعتنقت المذهب الشيعي الأثني عشري.

وهكذا، فالسنيّ العراقي- العربي الذي يشتم الفرس ويصفهم بأنهم ( مجوس) يخطئ مرتين في وصفه، في المرة الأولى، حين يفتقد القدرة على التمييز بين الزردشتية كدين وبين المجوسيّة كمصطلح تحقيري أطلقه الوثنيون الفرس على أتباع هذه الديانة القديمة. المجوسية هي الزرادشتية وهي ليست ديناً وثنياً. وفي المرة الثانية، يخطئ حين يصف الفرس بأنهم ( صفويين) لأن الصفويين هم أتباع طريقة دينية انتهت باعتناق إيران المذهب الشيعي الأثني عشري؟ إن الذين يصفون خامنئي المرشد الأعلى خامنئي ب( الفارسي) يجهلون أنه من اصول أذرية- تركمانية وليست فارسية؟ والأذريون الذين يشكلون ما نسبته 20% من السكان، هم في غالبيتهم من الشيعة التركمان. ومن يعتقدون أن الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد فارسي صفوي، يستخدمون توصيفاً لا أصل له فهو أذري- تركماني.كما أن الذين يهزأون من ( فارسية ) قائد البحرية شمخاني، يجهلون أنه عربي من أصول عراقية؟ من المحزن حقاً، أن هذه المعرفة الزائفة هي السائدة.

والآن : ما الذي عناه يونسي ان بغداد عاصمة إيران؟ هذا التصريح لو قرئ دون انفعالات سخيفة وعصابيّة وهستيريّة، ليس تصريحاً موجهاً للعراقيين والعرب . ان توقيت التصريح مع وصول وزير الدفاع الأمريكي ديمبسي إلى العراق للضغط على القيادة العراقية لفكّ التحالف مع إيران، موجه للأمريكيين وللغرب ومفاده ببساطة : حذار من الاقتراب من بغداد. انها عاصمتنا. إن وضع هذا النوع من التصريحات في إطارها السياسي، دون تضخيم أو ربط بما هو معرفة زائفة بالتاريخ، هو الذي سوف يمكنّا من تحليل المعطيات بطريقة موضوعية .

العرب- وكثرة من العراقيين- يجهلون إيران، وهم يحاربون ( عدوا) لا يعرفون عنه أي شئ حقيقي. تلك هي مصيبة العرب.

المزيد...