آخر المواضيع

مقالات سياسية

مقالات فكرية

الأدب

هذربات

4/20/2015

الحوثيون في الميزان .... أبعاد الحرب على اليمن

قوات من الحوثيين

بقلم غالب راشد

يعد حسين الحوثي الأب الروحي للحركة التي ظهرت عام 1992 واتخذت من صعدة في اليمن مركزا لها وتنتمي قيادة وأعضاء الحركة إلى المذهب الزيدي من الإسلام.

تاريخيا الزيدية اسم يطلق على مذاهب مختلف (المطرفية، السالمية، القاسمية، المؤيدية، الصالحية، البترية، السليمانية، الناصرية، لجارودية، الحريرية، الهادوية...) وجميعها تتبنى فكرة الخروج على الحاكم الظالم ولم يبقى من المذاهب الزيدية سوى الهادوية وهو المذهب السائد في شمال اليمن. ومن غير المعروف لأي مذهب من مذاهب الزيدية ينتمي عامة الحثيين لكن قيادة الحوثيين الممثلة بأسرة الحوثي يعتقد انها تنتمي للمذهب الجارودي وه مذهب مستقل عن الزيدية وقد انقرض في اليمن وهو مذهب متعصب لفكرة الإمامة.

وقد أرادت الحكومة اليمنية وحلفائها صبغ الصراع بصبغة طائفية لتلقي الدعم المالي والمعنوي من دول مجاورة لتصوير الصراع كجزء من حرب إقليمية وتهديد للأمن العالمي، للتغطية على جهود الحكومة الضئيلة والمتقطعة في مواجهة التنظيمات الإرهابية، ولجأ النظام اليمني وحلفائه لتصوير أعدائهم الحوثيين كتهديد للعالم وأن الحوثيين ليسوا على المذب السائد في اليمن وإنما على المذهب الأثن عشري السائد في إيران.

وقد لعبت عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية مهمة في ظهور الحوثيين على المشهد اليمني فالبدايات تعود إلى عام 1979حين أسس رجل الدين السلفي" مقبل الوادعي " وهو من قريدماج في محافظة صعدة برعاية علي محسن الأحمر وعلي عبد الله صالح والسعودية مدرسة سلفة في دماج في صعدة معقل الزيدية سماها دار الحديث.

 ان علي محسن الأحمر وعلي عبد الله صالح اعتدوا على سياسة فرق تسد للسيطرة على أطياف المجتمع اليمني. فدعم رجل مثل مقبل الوادعي هو من بكيل -أحد جناحي الأئمة الزيدية تاريخا ـ ليبني مدرسة سنية حنبلية وهابية في عقر دار المذهب الحوثي كان لمقاومة أي محاولة من الحوثية لاستحضار مبدأ الخروج لا ستحقق الإمامة ولمقاومة الفصائل اليسارية كذلك.

كان مقبل الوادعي يصف الحوثيين بأنهم "أل بدعة" داعيا إياهم للعودة إلى "السنة الصحيحة" وبشكل عام فإن الصيغ والتعابير التي كان يستخدمها هي ذاتها المستخدمة ف السعودية، فبدأ طلاب مقبل بتدمير وهدم المراقد الصوفية في صعدة بالذات خلال تسعينا القرن العشرين وكان لانحياز الحكومة اليمنية إلى جانب مقبل الوادعي أثرا مباشرا في عل الحوثيين في اليمن يشعر أن دينهم وثقافهم مستهدفة من الدولة نفسها، بالإضافة للانعزال الاقتصادي لصعدة، فالتهميش الحكومي لسكان المحافظة جعلها خارج الدولة اليمنية.

وخلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، ظهر جيل من اليمنيين متشبع بالأفكار الديني السعودية، قُدمت له تسهيلات من حكومة علي عبد الله صالح للسيطرة على المساجد والمنار والمدارس الحكومية في مناطق زيدية. إلى جانب التسهيلات الحكومية، اعتمد هؤلاء الحنابلة الجدد على دعم خارجي لا محدود من السعدية لبناء المدارس والمساجد في صعدة.

رفض مقبل الوادعي للديمقراطية والأحزاب السياسية وتحريمه الخروج على الحاكم ولو كان ظالما وترويجه للسعودية سياسياً واجتماعي -التي مولت كل المدارس التي اقامها في صعدة والحديدة ومأرب -في كتاباته مثل دفاعه عن فتوى رجل الدين السعودي عبد العزيز بن بجلب القوات الأميركية لتحرير الكويت من لجيش العراقي؛ كلها أسباب تفسر تمويل السعودية له ووقوف الحكومة اليمنية خلفه خاصة لدعوته تلاميذه القتال في حرب صيف 1994 رغم أن السعودية التي تبنى الوادعي مواقفها، دعمت الانفصاليين خلال تلك الحرب.

لم يكن الصراع بين الحوثيين وعلي عبد الله الح وأركان نظامه صراع قبائل مختلفة، ولم كن الزيديون مظهرا محليا من مظاهر الهلال لشيعي العابر للقوميات؛ وإنما هو صراع بسبب عدم الرضا المحلي عن سياسات النظام الداخلية والخارجية، والتقاء هذا الضيق مع الشعر باستهداف متعمد للمذهب الزيدي ورموزه وتاريخه في اليمن.

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، لاحظ عل عبد الله صالح أن السلفية ازدادوا قوة في ليمن ربما أكثر من اللازم وهو مالم يكن مخططاً، فدعم حسين بدر الدين الحوثي بداية لإعادة إحياء النشاط الزيدي في صعدة على الأقل، بالإضافة لتشجيعه لبعض هؤلاء السلفية تر حزب التجمع اليمني للإصلاح ولكن عقب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، بدأ حسين بدر الين الحوثي يظهر معارضته لصالح ويتهمه علنا بـ “العمالة" لأميركا وإسرائيل. وعندما توجه صالح لأداء صلاة الجمعة بأحد مساجد عدة فوجئ بالمصلين يصرخون

:" الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعة على اليهود، النصر للإسلام"

اعتُقل 600 شخص فورا وزج بهم في السجون، لإن لمعارضة الحقيقية لم تكن لأميركا بقدر ما كانت ضد علي عبد الله صالح وحكومته، الخطاب لمعادي لأميركا وإسرائيل في المنطقة العرية ككل ما هو إلا "شاشة دخان" للتغطية على أهداف أخرى إما لشرعنه نظام دكتاتوري أ معارضته. وقد وجد حسين تأييدا من قبل السكن لنقمهم على الحكومة بالدرجة الأولى كان يخطب في الناس عن الفقر والبؤس الذي تعاني منه صعدة، عن غياب المدارس والمستشفيات وعن وعود حكومية كثيرة لم يتم تنفيذ أي منها.

لم يشر حسين الحوثي في خطبه إلى الإمامة اليزيدية ولا إسقاط النظام ولا عن مشروع سياسي واضح يتجاوز "توعية الأمة عن مؤامرات اليهودية".

لم يكن حسين بدر الدين الحوثي الشخصية اليمنية الوحيدة التي تنتقد علي عبد الله صالح مستعملة نفس المبررات والصيغ مثل العمالة لأميركا في حربها على "المسلمين"، والذي جعل لحسين أهمية عند صالح كانت خلفيته كزيدي فاستطاع تكوين قاعدة دعم شعبية في صعدة معقل الأئمة الزيدية تاريخياً.

وقد تمكن حسين الحوثي من بناء قاعدة دعم على أساس العداء لسياسة الولايات المتحدة لخارجية وهو ما مكن الرئيس صالح من أن يستغل ورقة مكافحة الإرهاب لصالحه لتلقي الدعم لخارجي، وكان من السهل على علي عبد الله صالح ضرب أي شرعية ابتغاها حسين باتهامه أنه سعى لإسقاط الجمهورية وإعلان نفسه إماماً فبهذه الطريقة يؤلب صالح النخبة المثقفة ي اليمن ضد حسين الحوثي ويمنعهم من إبداء أي تعاطف معه. واتهامهم بالعمل والتعاون مع يران لتصوير حسين كوكيل للجمهورية الإسلامية أمام السعودية وكسب تأييد السلفية داخل اليمن لحروب علي عبد الله صالح. فكان لزاما على الحكومة أن تقوم بدورها لحماية الدستور والتحفظ على من يخرجون على القانون.

اشتبك أنصار حسين بدر الدين الحوثي مع الجيش اليمني في يونيو 2004، وجند صالح مقاتلين قليين من العصيمات، وهي إحدى قبائل حاشد البعة. استعمل المقاتلون الحوثيون القنابل اليدوية والأسلحة الخفيفة في مدينة صعدة وكاف وهزموا القوات القبلية من حاشد الموالية لصالح وقطعوا رأس قائدها.

توقفت المعارك في 10 سبتمبر 2004 بعد إعلان الحكومة اليمنية مقتل حسين بدر الدين الحوثي تولّى شقيقي عبد الملك بدر الدين الحوثي قادة الحوثيين.

ووقعت الحرب الثانية في آذار/مارس 2005، وفي كانون الأول/ديسمبر 2005 قامت قوات الجيش بقصف المنازل بحجة الاشتباه بأنها تؤوي مقاتلي حوثيين فكانت بداية الحرب الثالثة التي شهدت اشتباكات قبلية بطابع ثأري بين قبائل موالية للحوثيين وقبائل موالية لعلي عبد الل صالح.

عادت الاشتباكات من جديد في شباط/فبراير 2007 فكانت الحرب الرابعة. استعمل الجيش اليمني خلالها الطائرات والمدفعية الثقيلة وبقي لجيش في موقع الهجوم طيلة فترة المعارك من شباط/فبراير 2007 وحتى كانون الثاني/يناير 2008. الحوثيون من جانبهم بقيادة يوسف المداني، تمكنوا مرات كثيرة من حصار واستدراج قوات لجيش وايقاعها في شراكهم وقد قاوم الحوثيون بشراسة في مناطق بني معاذ وضحيان، وانشق بليون كانوا موالين لصالح وقاتلوا إلى جانب الحوثيين بسبب القصف العشوائي لمناطقهم. توسطت دولة قطر لإنهاء النزاع وأعلن على عد الله صالح توقف القتال في 17 تموز/يوليو 2007.كانت الحرب الرابعة فضيحة كارثية للجيش اليمني، فأداؤه خلال تلك المعارك كان أقصى ما عنده، فلم يتمكن علي عبد الله صالح وعلي حسن الأحمر من إنهاء وجود الحوثيين ولا تدمر قاعدتهم الشعبية. دمر صالح صعدة فخسر حلفاء النظام من أبناء المحافظة نتيجة تدمير المنازل والمنشآت من القصف العشوائي، وتأثرت صورة النظام عالميا تم اعتقال آلاف من محافظات عدة ورميهم في السجون دون محاكمات بل أخذ صالح رهائن من بعض الأسر للضغط على أبنائهم المقاتلين لتسليم أنفسهم. وقالت الناشطة الحقوقية رضية المتوكل أن الاعتقالات التعسفية سبب رئيسي لزيادة رقعة الاقتتال وتنامي مؤيدي عبد الملك الحوثي.

في أيار/مايو 2008. اتهمت الحكومة اليمنية الحوثيين بالوقوف خلف التفجير في مسجد بن سلمن في صعدة فكانت بداية الجولة الخامسة من المواجهات.

تراجع علي عبد الله صالح عن اتهام الحوثيين بتسلم دعم إيراني بنهاية عام 2008 وبدايات 2009. وأرسل لجنة برئاسة عبد القادر هلال لحصر الأضرار وبحث مطالب سكان صعدة كدليل على حن النوايا من جانبه. لكن تم عرقلة جهود عبد القادر هلال لأنه قدم تقريراً يطالب فيه الحكومة اليمنية باتخاذ إجراءات تساعد في عملية إعادة بناء الثقة لدى أبناء المحافظة الممزقة من الحروب، وقد اشتكى الجنود النظاميين من عدم دفع مرتباتهم، القبليون الموالون لصالح اشتكوا من معاملتهم كمرتزقة ومن الدمار الهائل الذي أصاب مناطقهم في صعدة.

عقد علي عبد الله صالح اجتماعا في 11 أغسطس 2009 وخلص الاجتماع إلى مواجهة الحوثيين بـ “قبضة حديدية"، وأعلن صادق الأحمر ـ أخ ميد الأحمر ـ أنه يؤيد "قبضة الحكومة الحديدية"، أطلقت الحكومة اليمنية اسم عملية الأرض المحروقة على حربها السادسة وشهدت الحرب السادسة تطوراً بتدخل السعودية. الأحداث التي أدت لتدخل السعودية في القتال لا تزال غير معروفة بشكل واضح حتى الآن. فاتهمت السعودية الحوثيين بـ “التسلل" وإطلاق النار على حرس الحدود السعودي. أما الحوثيون قالوا بأن السعودية كانت تسمح لقوات لجيش اليمني بالتمركز في جبل الدخان بجيزان لمهاجمتهم من الخلف، وأنهم تحدثوا للسعودية بهذا الشأن دون أن يتلقوا رداً. فاقتحموا المنطقة في 2 نوفمبر 2009، وقد كشفت وثيقة ويكيليكس المعنونة(09SANAA2279) أن شيخا قبليا مقب من صالح يدعى محمد بن ناجي الشايف تحدث أ الدعم السعودي دفع لصالح لإطالة الحرب. وأن أحد المسؤولين السعوديين في اللجنة السعودية الخاصة التي كان يرأسها سلطان بن عبد العزيز، أخبره أنهم يعرفون أن علي عبد الله صالح يكذب بشأن رواية الدعم الإيراني للحوثيين ولكن رسمياً وعبر وسائل إعلامهم، استمروا بترديد مزاعم التدخل الإيراني.
استمر القتال إلى شهر ديسمبر من عام 2009.

وفقا لوثيقة ويكيليكس (09RIYADH1687)، ان الملك السعودي عبد الله قد أبدى تذمره من طول المعركة أمام مقاتلين غير نظاميين ولا مدربين، ومن عدد القتلى من القوات السعودية (العدد المؤكد 82 وفقا لمصادر سعودية حكومية) وعن عدم درة الجيش السعودي على إثبات كفاءته رغم المليارات المصروفة عليه.

هناك ثلاث مصادر رئيسية لأسلحة الحوثيين:
  1. تجار السلاح.
  2. الحلفاء القبليون.
  3. الجيش اليمني نفسه.
وفي بداية المعارك، كانت أسلحة الحوثيين هي ما تمتلكه القبائل في اليمن عادة، إيه كيه-47 وقنابل يدوية وآر بي جي وعقب كل حرب، كان الحوثيون يحصلون على مزيد من الأسلحة المذكورة آنفا بالإضافة إلى إم 2 بروانينغ وبنادق عديمة الارتداد وإم252 وجي 3 ومضادات خفيفة للطائرات عدلها المقاتلون الحوثيون لاستخدامها ضد الدبابات والمدرعات على الأرض. وعدد من إم-113 وتي-55 وهامفي مصفحة تفيحا خفيفاً، وهذه غنموها عقب اشتباكهم مع السعوديين عام 2009. وإسقاط مروحيات ميل مي-8 التابعة للجيش اليمني كان بأسلحة صغيرة ولس بصواريخ أرض جو فلا يمتلك الحوثيون هذه. [165] زعمت الحكومة وحلفائها أن الحوثيين يمتلكون كاتيوشيا كدليل على علاقتهم بإيران، ولكن الجيش اليمني هو من كان يقصفهم بتلك الصواريخ.

أعلن الحوثيون تأييدهم لثورة الشباب اليمنية، واتخذوا لأنفسهم اسما جديداً وهو "أنصار الله عام 2011 واعتصموا في "ساحات التغيير" بصنعاء وصعدة، واعترضوا على المبادرة الخليجية. واندلعت اشتباكات مسلحة بينهم وبين أطراف مرتبطة بحزب الإصلاح بلغت ذروتها عام 2013 -2014.

اشتكى الحوثيون من أن التقسيم الفيدرالي اذي أقره عبد ربه منصور هادي بتقسيم اليمن إلى ست أقاليم فيدرالية، يقسم اليمن إلى فقراء وأغنياء ولا يخدم أحداً سوى السعودية مطالبين بضم الجوف وحجة إلى الإقليم الذي سمي بإقليم آزال ( صنعاء ) لان من شأن ذلك أن يساعد الإقليم اقتصاديا واتهم عبد الملك الحثي اللجنة الرئاسية لتحديد الأقاليم بأنه لم تراع الجوانب الاقتصادية ويمهد التقسيم لنوع جديد من الصراعات المسلحة في اليمن .ان حزب التجمع اليمني للإصلاح يردد دعاية علامي راعيتها السعودية ووسائل إعلام خليجية أن محاولة الحوثيين لضم محافظة حجة ومحافظة الجوف لما سمي بإقليم آزال هدفه تلقي لأسلحة من إيران.

ولكن إيميلات مسربة لستراتفور (مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، يعد أحد أهمّ المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسية) أظهر إدراكا من الأميركيين أن الحوثيين زيدي ويختلفون عقديا عن الاثنا عشرية وأن جمهورية إيران الإسلامية لا تتمتع بنفس النفوذ التواصل الذي يجمعها بميليشيات مختلفة بالمنطقة. السعودية لا تريد للحوثيين أن يزدادوا قوة ونفوذا حتى لا يؤثروا على الأقليات الزيدية والإسماعيلية بجنوب تلك المملكة، ومحاولة الحوثيين للتوسع نحو ميناء ميدي رما كان أحد أهم دوافع السعودية للانخراط في المعارك مباشرة عام 2009، ذلك وفق تحليل عملاء ستراتفور. وسوف يتدخلون لمنع الحوثيين م التوسع كما تدخلوا سابقاً، إما عن توظيف الحنابلة ورفع وتيرة التحريض الطائفي المرتبطة بحزب التجمع اليمني للإصلاح ولكن الحوثيون أظهروا قدرة على مقاومة ذلك، عقب كل حرب كانوا يزدادون قوة -أعداد الأنصار والمتعاطفين -ويحصلون على مزيد من الأسلحة، بالإضافة لسهولة كسب التأييد بالظهور بمظهر المقاوم الوحيد لـلـ"غزو السعودي الوهابي.

وقد عملت الحكومة اليمنية على تصوير الحوثين بصور كثيرة لمنع التعاطف والتأييد الشعبي لهم فأظهرهم الإعلام الرسمي والمؤيد للكومة بأنهم:

- الحوثيون كاثني عشرية يقاتلون لنشر المذهب الاثنا عشري في اليمن ، - _ - الحوثيون كملكيين يسعون لإسقاط الجمهورية وبناء دولة عل تعاليم المذهب الزيدي.

- الحوثيون كعملاء لعدة دول ،يتهم حزب التجمع اليمني للإصلاح الحوثيين بالعمل لصالح إيران ومن أسباب ذلك وفقا لحزب التجمع اليمن للإصلاح سعيهم لنشر المذهب الاثنا عشري وحليل زواج المتعة، وأحيانا بسبب "الحقد الفارسي" على اليمن والذي يدفع إيران لنرى الفوضى وإشاعة الدمار، ولمساعي إيران لإقامة دولة شيعية بشمال اليمن. رسم صورة الحثيون كعملاء ركزت في الغالب على إيران وكات الصحافة الحكومية وتلك الحزبية المتعاطة معها، تشير إلى إيران بصراحة دون تلميحا. ولكن أدخل علي عبد الله صالح لاعبا إقليما آخر كداعم للحوثيين وهو معمر القذافي، كجزء من تحركات الأخير لاستهداف السعودية. ب أن موقف الولايات المتحدة الداعي لجميع الأطراف إلى ترك السلاح والحوار، تم تفسيره على أنه دعم من الولايات المتحدة للحوثيين. أرادت السلطة إيصال رسالة للمدنيين أن الحثيين ليسوا مكوناً يمنياً وإنما زرع خارجي لاستهداف الاستقرار وتدمير اليمن.

- الحوثيون كتكفيريين ومشوهين للمذهب الزيدي ،زعمت السلطة أن حسين بدر الدين الحوثي وصف نفسه بـ"الإمام" و"أمير المؤمنين" وأنه كان يأخذ "البيعة" لنفسه، ويجمع الضرائب والزكاة لإن الحُكم "حق إله شرعي لنفسه، كونه من آل البيت". وذهبت الحكومة بعيداً لتصوير حسين بدر الدين الحوث وأخاه عبد الملك كمرضى بأوهام العظمة. ونشر إعلام السلطة وصية مزعومة لحسين بدر الدين الحوثي قبل قتله، يشبه فيها نفسه بالإمام الحسين بن علي.

- الحوثيون كمضطهدِين للمدنيين في شمال اليمن ، فنشر الإعلام الرسمي موادا تقول أن الحوثيين يستعملون سكان صعدة كدروع بشرية ويمنعونهم من الهرب من مناطق الاقتتال، ويدمرن المنشآت الحكومية من مدارس ومستشفيات وأبراج كهرباء و زعمت السلطة أن الحوثيين يعذبون الأسرى من قوات الجيش والقبائل الموالية للحكومة، ويقتلون من يعارضهم في صعدة، ب يقتلون الأمهات اللواتي يحمين أطفالهن.

- الحوثيين كنصيرية اليمن الجدد ،الحوثيين في اليمن اقلية ونسبتهم 5% من سكان اليمن البالغ 30 مليون نسمة يتساءل المحللون لماذا تأول هذه الاقلية ان تكون مثل النصيرية بسوريا 5% من السكان تتحكم في الاغلبية وتنزع سلاح الشعب اليمني وتسيطر على اسلحة الجيش اليمني الثقيلة والصواريخ وتسيطر على المدن المحافظات والحكم ووزارات المالية والدفاع والجيش وتفكك اجهزة الدولة وتكفر الزيود والاغلبية السنية باليمن وتصفهم بالتكفيرين والوهابية وتعتدي على ابناء وشيوخ القبائل وتحتل مناطقهم وتفجر المساجد ودور تحفظ القرآن.

وفي الغرب، ظهرت عدة دراسات مفصلة عن اليمن بشكل عام والتحديات التي تواجه الدولة من تاب وأكاديميين وكثير من هذه الكتابات تطرقت لمسألة الحوثيين إلى جانب تحديات أخرى تواجه اليمن وكلها مكتوبة بأسلوب يضع مصالح الولايات المتحدة في المقدمة، وبعضهم يعارض الاستخدام الحر والغير محسوب لعبارة "مرد شيعي".

الدراسات الغربية تركز على دور النظام الساسي الحاكم في تحويل القبيلة والدين إلى أيدلوجية سياسية، واستيراد الحنابلة/الوهابية/السلفية في الثمانينات والتسعينات وتوظيفهما لمصالح مراكز القوى، وهو ما ولد رد من قبل الزيدية وبشكل عام، معظم هذه الدراسات تدين تعاطي السلطة مع الحوثيين ويعترونها مولدة لعنف كان من الممكن تفاديه نظرا للتحديات الأهم والأكبر التي تواجه اليمن.
ربما تكون هذه الإضاءة كافية لفهم ما يجري في اليمن ومعرفة الأبعاد الحقيقية للحرب السعودية.
المزيد...

4/19/2015

من صفحة الدكتور محمد شحرور : حول موضوع الربا

الدكتور محمد شحرور

كتب الدكتور محمد شحرور على صفحته عبر الفيسبوك:

جواباً لسؤال بعض المعلقين حول موضوع الربا، نقول ذُكر الربا في اﻵية المحكمة {َأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة 275) وكل اﻵيات التي وردت حول الربا هي تفصيل لها.

ولتوضيح مفهوم الربا ومفهوم ما يسمى بالبنوك الإسلامية ورأيي فيها، أريد أن أشرح هذا بالمدخل التالي:

اعتمد الفقه الحنفي بشكل رئيسي على المنطق الصوري القائم على قاعدة واحدة، هي عدم وجود تناقض بين المقدمات والنتائج، بغض النظر عن الموضوع نفسه، حقيقياً كان أم وهمياً، أي كما يقولون: "المحافظة على الشكل بغض النظر عن المضمون حقيقي أم وهمي، صحيح أو غير صحيح". ومن هنا ظهرت ما تسمى "الحيل الشرعية".

وإليكم مثالاً فعلياً حصل في النصف الثاني من القرن الماضي في دمشق، صديقان يقومان بالتزاور بينهما، وحتى يدخل الصديق الأول على منزل صديقه بأي وقت وبدون حرج على زوجة الثاني، فيعقد اﻷول قرانه على ابنة الثاني البالغة من العمر سنتين، وبهذا تصبح زوجة الثاني حماة اﻷول وتدخل في محارمه وﻻ حرج عليه. ﻻحظوا كيف تمت المحافظة على الشكل بغض النظر عن المضمون وهذا ما يسمى علناً بالحيل الشرعية، التي برع فيها المذهب الحنفي، وقياساً على هذا المثال، نرى أن ما يسمى بالبنوك الإسلامية هي نفس البنوك الربوية العادية مع المحافظة على الشكل الشرعي في إدخال مفاهيم المرابحة والمشاركة وغيرها، واتخذت هذا الإسم للضحك على عقول الناس، كذلك هناك مصطلح (اﻷرآتيون) جاءت من كلمة (أرأيت لو أن)، ومثال عليها: أرأيت لو أن أحداً صلى على أرجوحة غير معلقة بالسقف وﻻ مستندة على اﻷرض هل تجوز صلاته؟
ونرى اﻵن في القضاء يقولون: "القضية مقبولة شكلاً ومرفوضة مضموناً" أو العكس.

وهكذا نفهم كيف عالجت البنوك الإسلامية موضوع الربا.

وننوه أن الرياضيات كلها تقوم على المنطق الصوري، وبذلك هي متقدمة دائماً على الفيزياء، والرياضيات هي العدم، أي عبارة عن داﻻت بدون مدلوﻻت.

واﻵن نشرح تفصيل الربا في التنزيل الحكيم:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (275 البقرة) هي الآية المحكمة في هذا الموضوع، أما تفصيل الربا فقد ورد في الآيات التالية:

-{يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(البقرة 276)
-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ* فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ* وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة 278 - 279 – 280).

-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران 130)

-{وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} (الروم 39).

نلاحظ في هذه الآيات أنه قارن بين الربا والصدقات، وبين الربا والزكاة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نعطي الزكاة أو الصدقات لشركات النفط والسيارات؟ ومن هم أصحاب الصدقات؟ فأي إنسان لا يستطيع سداد قرض ولو بنسبة فائدة لا تتعدى واحداً بالألف فهذه الفائدة هي ربا، والسيئة هي ما يرتكبه الدائن وليس المدين.

ثم لنفرض أن إنساناً ما اقترض مالاً ودفع فائدة، ثم وقعت له عُسرة، فهل نضيق عليه ونطالبه بالقرض أم نرأف به؟ هذا ما ذكره التنزيل الحكيم في الآية {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي علينا النظر بعين الاعتبار للضائقة التي يعانيها، ولعلنا نتصدق بباقي المبلغ فلا نطالبه به.

والربا المحرم جاء لحماية الطرف الضعيف، الذي يستحق الصدقة، وهذا الربا موجود عبر التاريخ بأشكال مختلفة، والبنوك اليوم تعرف أن هناك حالات يعجز فيها المدين عن السداد، وبالتالي يدخل القرض تحت بند (الديون الميتة)، وإن سألنا البنوك عن (الديون الميتة) فستكون نسبتها ضئيلة، ومصدرها القروض التي لم يستطع أصحابها السداد.

أما تحديد من يعجز عن السداد ومن يخضع للصدقات فهو يخضع للشروط الموضوعية لكل بلد. وقيمة الفائدة تحدد من قبل أعلى سلطة في البلد، وتتنافس البنوك بتخفيض هذه الفائدة وتقديم التسهيلات.

ونقرأ قوله تعالى {لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفة} ونفهم أن الربا المحرم أيضاً هو عندما تتراكم الفائدة فتصبح أضعاف مبلغ الدَين، وهذا ما كان سائداً قبل البعثة، حيث قد يصل الحال أن تتراكم الفوائد على المدين فيتم بيعه ويتحول إلى رقيق، وفي عصرنا، كنت قد سألت عدداً من البنوك: "هل يمكن أن تبلغ قيمة الفائدة ما يعادل القرض كله أم أقل؟" وكان الجواب أنه مهما طالت مدة القرض فبالكاد تصل الفائدة إلى قيمة المبلغ، لأن السداد يكون شهرياً.

وما أريد قوله للسادة القراء: عندما ظهر بند المعاملات في الفقه الإسلامي لم تكن البنوك قد وجدت بعد، وكان الاقتصاد يقوم على شخص أو أسرة، وكان ممكناً مشاركة شخص مع شخص آخر، وكانت العلاقات شخصية، فوضعوا حينها أصولاً تتناسب مع هذا الوضع الاقتصادي، أما بعد ظهور البنوك فقد تحققت صلة الوصل بين ملكية المال وإدارة المال، عبر أشخاص ذوي خبرة في السوق، في كافة مجالاته.

والأطروحة الفقهية (كل قرض جر منفعة فهو ربا) تناقض التنزيل الحكيم، وأستغرب كيف لم يُنظر إلى الآيات؟ وظهور البنوك الإسلامية هو حيلة شرعية أمنوا فيها الشكل على أنه إسلامي، وكما ورد في فقه المعاملات الموضوع منذ ألف سنة، دون النظر بعين الاعتبار لآيات الربا في التنزيل الحكيم، فأمنوا الشكل دون المحتوى، وبقي ذات محتوى البنوك التي يقال عنها أنها ربوية وسيئة، ولزيادة الحفاظ على شكلها الإسلامي، نجد في كل بنك إسلامي هيئة شرعية استشارية، فلا تنخدعوا.
وأنصح كل شخص إيداع ماله في أي بنك، ويستقرض من أي بنك يناسبه.

وقد حاز أشخاص كثيرون على بيوت لهم من خلال قروض من البنوك التي أطلق عليها اسم "ربوية"، فأمنت لهم هذه البنوك حلاً ممتازاً.
المزيد...

3/29/2015

هل ينبغي أن نفهم إيران؟ (3) - خطاب الكراهية الجديد

 الاستاذ المفكر فاضل الربيعي
الكاتب: فاضل الربيعي

توسّع فارسي أم خطر شيعي؟

شاعت خلال السنوات الأخيرة في المؤلفات والكتب والمقالات والتعليقات السياسية، تصوّرات ومواقف عن خطر إيراني مزعوم يهددّ العالم العربي، يمكن تلخصيها في فكرتين متناقضين تقول إحداهما، أن هذا الخطر له طابع قومي صرف، ولذا فهو خطر فارسي، بينما تقول الأخرى أنه خطر مذهبي، ولذا فهو خطر شيعي. وفي نطاق التدليل على صحة هذا التصوّر، غالباً ما يلجأ مُروّجوه إلى التاريخ الإيراني ليستلّوا منه وقائع ومعطيات زائفة. إن النقد السياسي لسلوك إيران كدولة أمر مشروع لا جدال فيه، ومن حق أي شخص أن ينتقد سياساتها هنا أو هناك، لكن ليس من حق أي أحد، أن يتلاعب بتاريخ أي بلد، أو أن يُرغم وقائعه وأحداثه على قول ما لم يقله. إن أحد أكثر أوجه التلاعب مأسويّة بتاريخ إيران في الأدبيات السياسية العربية السائدة، تتجلىّ في وجود نزعة لا حدود لها لتزييّف الوقائع وابتكار المصطلحات السخيفة، فما من ناقد لإيران إلا وزعم أن هذا التاريخ بكل ما فيه هو تاريخ أطماع فارسية أو شيعية، وأن إيران الحديثة، هي ذاتها القديمة بأطماعها التوّسعية ونزعتها ( المذهبية). إن نقاشاً موضوعياً يبتعد عن روح الإنتقام ويتحرّى بأكثر ما يمكن من الحيادية العلمية والنزاهة، صحّة ما ينقل من وقائع وأحداث، والتدقيق فيها وفحصها والتأكد من صلابة مقولاتها، هو وحده الذي يمكنّا من تقديم فهم افضل لإيران مهما كان رأينا بها، ضدها أم معها. من حق كل ناقد لإيران أن يقررّ الموقف الذي يؤمن به، ولكن شرط أن يكون نزيهاً وموضوعياً في معالجة وقائع التاريخ. ولئن كان ( نقد إيران) في الأدبيات السياسية العراقية- العربية وفي الدراسات الفكرية- التاريخية السائدة، انتج معرفة زائفة ومُضللة اضحت خلال العقود الماضية مادة مُهْيمنة في نظام التعليم المدرسي والدينيّ وفي وسائل الإعلام ؛ فإن التغاضي عن الحاجة الملحّة لدراسة إيران، ورفض أيّ محاولة جادّة لتقديم فهم خلاق ومغاير، سوف يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تعميم هذه المعرفة الزائفة في المجتمع؛ بل وتحوّلها بواسطة التشهير السياسي الرخيص والتحريض الإعلامي المتواصل إلى ثقافة مجتمعية صلبة يصعب زعزعتها.

انقدوا إيران ماشاء لكم، لكن حذار من قراءة تاريخها بشكل مغلوط. لقد بيّنت وقائع وأحداث السنوات القليلة الماضية ، أن ( نقد إيران) كان يرتكز إلى ما يُزعم أنه ( تاريخ إيران الحقيقي ) فيقال غالباً، أن لها اطماعاً فارسية قديمة ومتواصلة، وأن تاريخها الحديث يؤكد ذلك. كما يُزعم أن هذه الأطماع هي من طبيعة مذهبية، وأن إيران الفارسية لا تطمع في أرض العرب وحسب؛ بل وتشكل خطراً مذهبياً ( شيعيّاً ) داهماً. ومع تعميم هذين التصوّرين الزائفين اتتشر نوع مرضي من الخوف بات مُهيمناً على الخطاب السياسي العربي. في مصر مثلاً، وخلال حقبة حكم محمد مرسي، بلغت هستيريا ( الخوف من الخطر الشيعي) ذروتها حين قامت مجموعة من المهووسين بقتل عائلة رجل دين مسلم بطريقة وحشيّة، حين جرى سحلها في ازقة حي من أحياء ضواحي القاهرة، بحجة أنه ( شيعي) وذلك ما اضطرّ الكاتب الصحفي والمؤرخ الشهير محمد حسنين هيكل للقول خلال ندوة تلفزيونية، وهو يعبّر عن غضبه من هذا السلوك الوحشي، أنه حصل على احصائية رسمية تبيّن أن عدد الشيعة في مصر لا يتجاوز 18 الفاً؟ وللمرء أن يتساءل عن سرّ ( الشيعة فوبيا ) هذه في بلد تعداده 90 مليوناً ؟ مم تخاف هذه الملايين من المصريين؟ من 18 ألفاً ؟ هذا شئ مريع ولا يمكن تصديقه. إن ثقافة من هذا النوع سوف تنشئ بكل تأكيد الأرضيّة الملائمة لا لتفجير النزاعات المذهبية في العالم العربي على نطاق أوسع فأوسع؛ بل وتحرث الطريق وتهيئ الظروف لظهور نمط جديد من الصراعات يحلّ فيه ( العدو الوهمي) محل ( العدو الحقيقي). بفضل التزييف والتلاعب بالجماهير والتاريخ والثقاقة القديمة، سوف يكون لدينا بديل عن الخطر الذي يهدد العرب، أي خطر الصهيونية وإسرائيل، لتصبح إيران ( والشيعة) هما الخطر الجديد. وهذا وحده كاف لتفجير صراع عربي- فارسي، بديل عن الصراع العربي-الإسرائيلي. في هذا السياق، سوف أورد الواقعة التالية وهي مهمّة للغاية في أيّ تحليل سياسي رصين: في نهاية عام 1980 وبعد أشهر من الحرب العراقية- الإيرانية زار محمد حسنين هيكل بغداد بدعوة من صدام حسين. في هذا اللقاء سأل الرئيس صدام ضيفه : قل لي، ماذا تعتقد؟ كم يلزمنا من وقت لهزيمة إيران؟ ردّ هيكل قائلاً : أستطيع أن أقول لك انها حرب ال100 عام؟ دهش صدام حسين، فقال بعد لحظة تأمل : حسناً، دعنا نلتقي اليوم على العشاء. ساتصل بطارق عزيز لينضمّ لنا. في ذلك المساء سمع طارق عزيز رأي هيكل في مسار الحرب العراقية الإيرانية، لكنه لم يصدّق أبداً ، ولا للحظة واحدة، أن هذا التقدير يمكن أن يكون واقعياً.

بعد ثماني سنوات من هذا اللقاء اليتيم، توقفت الحرب مع إيران، لكنها فعلياً تواصلت بأشكالٍ أخرى، فالأحزاب الدينية الموالية لها ضاعفت من نشاطها العسكري والسياسي في العراق. في عام 1990-1991 كان العراق يدخل في ( الفخ الكويتي) ولتبدأ منذئذٍ حقبة سوداء من الحصار الدولي المدّمر، تصبح فيها إيران لاعباً رئيساً في الداخل العراقي ( خلال هذه الحقبة حدث ما يعرف بالإنتفاضة الشعبانية وسقطت 14 محافظة عراقية في قبضة الأحزاب الشيعية وكادت بغداد تسقط). في عام 2003 قام الأمريكيون بغزو العراق، واصبحت إيران لاعباً رئيساً. هذا يعني أن الحرب مع إيران استمرت بوسائل أخرى، واصبح عمرها في لحظة سقوط بغداد فعلياً 23 عاماً ( 1980-2003). اليوم يصبح عمر هذه الحرب 35 عاماً. ألا يعني هذا أنها حرب طويلة قد تستمر 100 عام؟ فهل هي حرب من أجل أطماع ( قومية- فارسيّة) أم من أجل أطماع ( مذهبية- شيعيّة)؟ في المرحلة الأولى من الحرب العراقية- الإيرانية جرى تعميم تصوّر يقول إن ما يواجه العراق والعالم العربي ، إنما هو خطر فارسي، وان أطماع إيران هي أطماع قديمة مستمرة ومتواصلة. وفي المرحلة الثانية جرى تعميم تصوّر زائف موازٍ يقول، إن إيران تمثل ( خطراً شيعيّاً )؟ اليوم، وبعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب يجري دمج هذين التصوّرين الزائفين في صورة خطر مزدوج: إنه الخطر الفارسي- الشيعي؟
الآن دعونا ندّقق أولاً- من منظور التاريخ المُتلاعب به- في صحّة هذين التصوّرين الزائفين المخادعين .

1 : إذا كان هناك خطر فارسي قديم يهدّد عروبة العرب، فمن المهم أن نحصل على دلائل من التاريخ،تؤكد وجود أطماع فارسية في الأرض؟ متى قام الفرس بالضبط، بشن حروب ضد العراق والعرب كان هدفها الإستيلاء على الأرض ؟ ليس لدينا أي واقعة واحدة من التاريخ تؤيد مثل هذا التصوّر؟ أجل، هناك حروب في التاريخ البشري تدور حول فكرة التوسع والإستيلاء على الأرض. لكن هذا المعطى التاريخي الصحيح ، لا يتيح لنا الفرصة والحق لنفترض أن كل حرب أو نزاع حدودي هو ( اطماع قومية). كانت هناك حروب قاسية، لكنها لم تكن ذات طابع توّسعي. إن نشوب الحروب بين الدول التي تملك حدوداً مشتركة ، ظاهرة عالمية الطابع. الفرنسيون والألمان مزقوا بعضهم بعضاً في الألزاس واللورين، لكن لم تكن هناك قط أطماع فرنسية أو ألمانية في الأرض. كان الصراع يدور في نطاق المصالح والنفوذ. الأتراك والإيرانيون تقاتلوا طوال 700عام متواصلة، ولم تكن هناك أطماع في الأرض. حتى الحرب العراقية - الإيرانية في خريف 1980 التي بدأت في صورة معارك على الحدود، لم تكن في جوهرها حرباً للسيطرة على الأرض. كانت نزاعاً تقليدياً على المصالح في النفوذ والقوة. إن الحروب بين الدول لا تقوم بالضرورة من أجل أطماع في الأرض. ثمة الكثير من الأسباب والعومل التي تؤدي إلى تفجرّ نزاعات طويلة.

فهل من المنطقي الزعم أن الخطر القومي هو في الآن ذاته (خطر شيعي) قديم تعود جذوره إلى الدولة الصفوية عام 1500م؟ هذا غير منطقي تماماً، لماذا؟ لأن الفارسيّة مكوّن قومي تاريخي من مكوّنات الهويّة الإيرانية، بينما الشيعيّة مكوّن ديني- مذهبي حديث؟ فكيف يمكن دمجهما في صورة واحدة، وهما مكوّنان متصارعان داخل الهويّة الإيرانية نفسها؟

2: وإذا كان هناك من يزعم أنه خطر شيعي ( يهدد العراق والمنطقة) فهذا تزييف لا مثيل له، لإن إيران هي التي اعتنقت مذهب أهل العراق ولم تفرضه عليهم؟ إن الأثني عشرية ليست مذهباً إيرانياً يمكن لها أن تفرضه على هذا البلد أو ذاك؟ ولذا، يصبح الزعم أن الشيعة العراقيين هم ( صفويون) من أتباع إيران كذبة رخيصة روّجها مزّورو التاريخ. كان احتلال العراق في عهد الدولة الصفوية 1501م تطوراً في سياق حروب طويلة مع العثمانيين، وهؤلاء تمكنوا مرات ومرات من احتلال العراق وطرد الإيرانيين. لقد كان الصراع يدور في نطاق المصالح الاستراتيجية الكبرى بين قوتين مركزيتين في المنطقة، سعت كل واحدة منهما لتقديم نفسها على أنها القوة المهيمنة. وفي نطاق هذه الحروب، لعب المذهبان ، مذهب أهل السنة والجماعة والمذهب الشيعي، دور الغطاء الإيديولوجي أو الأداة الإيديولوجية لتبرير الصراع أو التغطية على طبيعته طوال اربعمئة عام 1500-1900م. وبطبيعة الحال، فلم يكن من أهداف الأتراك طوال هذه القرون الأربعة فرض المذهب السنيّ، كما أن خصومهم في إيران لم يسعوا إلى فرض الشيعيّة على كل سكان العراق؟ المثير للدهشة أن الذين يرّوجون لهذا الخطاب اللاتاريخي، يجهلون أن إيران خلال الصراع مع العثمانيين السنّة، اعتنقت الأثني عشرية وهي في الأصل مذهب أهل العراق؟ أي أن إيران عادت مرة أخرى تفتش في دروب التاريخ – وهذه المرة مع انهيار دولة الإسلام- عن مذهب أو رسالة أو إيديولوجيا دينية، وقد وجدتها في العراق؟ بكلام آخر، إن من يزعمون أن إيران هي التي فرضت المذهب الشيعي على العراقيين، أو صبغته بصبغتها الصفوية أو حوّلتهم إلى ( صفويين) إنما يزّورون التاريخ بطريقة فجّة، لأن إيران تخلت في هذا الوقت عن الصفوية واعتنقت مذهب أهل العراق؟ كل ما سعى إليه الشاه عباس الأكبر بعد احتلال العراق، وتمنى تحقيقه دون جدوى، هو أن يتمكن بواسطة الضغط على رجال الدين والتجار الشيعة في الكاظمية والنجف وكربلاء، وتهديدهم بالحرمان من شبكة الروابط الروحية والتجارية مع المدن الإيرانية من الحصول على موافقتهم اعتبار ( الصفوية ) جزء من تراث الشيعية. وكان هذا أمراً مثيراً للجدل، لأن تراث الأثني عشرية في العراق هو تاريخ قطيعة مع كل الفرق الصغيرة التي خرجت عن نظرية الإمامة. لا أحد يبرئ الشاه عباس من جرائمه، فهي طاولت الشيعة والسنة معاً، لكن وبصدد هذه النقطة المحددّة، يقتضي الإنصاف التاريخي وضعها في سياقها الصحيح دون تهويل ومبالغات.

بهذا المعنى فقط، اتخذ ( الخطر الشيعي المزعوم) طابعاً خاصاً، فقد كان سجالاً داخل نظرية الإمامة الجعفرية، ولم يكن خطراً موجهاَ نحو كل المواطنين من أبناء المذاهب الأخرى. ولو كانت هناك أطماع ( مذهبية- شيعية) حقيقية، لأصبح العراق شيعياً ولتوارى أهل السنة من التاريخ؟ ألم يحوّل صلاح الدين الأيوبي مصر الفاطمية- الشيعية إلى (بلد سنيّ )؟ ألم يحوّل إسماعيل شاه الصفوي إيران السنيّة إلى ( بلد شيعي)؟ فلماذا لم يحدث الأمر نفسه مع العراق حين خضع لاحتلال الصفويين، لو كانت هناك أطماع ( مذهبية)؟ في الواقع، كان الصراع يدور في نطاق مصالح كبرى لا داخل الدين، وكانت الصفوية في هذا الوقت تلفظ أنفاسها بعد أن اعتنق إسماعيل الشاه المذهب الأثني عشري. لكن الأسرة الصفوية، ولإعتبارات تتعلق بوضعها الداخلي والتوتر المتواصل مع الجماعات الفارسية،كانت بحاجة لاعتراف رجال الدين الشيعة في العراق، بأن ( تراث الصفوية ) جزء من تراث الشيعية الجعفرية. فكيف يقال أنه فرض المذهب الصفوي على العراقيين؟ هذا تزييف للتاريخ.

3: ولتوضّيح هذا الجانب، يجب أن نلاحظ أن العرب مثلهم مثل إيران، عاشوا ما يشبه حالة تناقض أو توتر بين المكوّنين القوميّ والدينيّ داخل هويهّتم. في حالة العرب، ومع بروز حركة القومية العربية في مطالع القرن العشرين- وقبل ذلك بقليل- عاشت معظم البلدان العربية في قلب صراع بين النزعة القومية والنزعة الإسلامية. لقد غلبّت الحركة القومية نزعة العروبة على حساب نزعة الإسلام، وبالتالي، فقد شكلت حركة القومية العربية تحديّا حقيقياً للجماعات الإسلامية، نظراً لمنطلقاتها وأهدافها وأحلامها بأمة عربية، بينما كان المكوّن الديني- الإسلاموي في المجتمع العربي ينادي ب( أمة إسلامية ) واسعة تتعدى نطاق الجغرافيا العربية ؟ وفي حالة إيران، فقد عاشت إيران وماتزال، صراعاً حقيقياً بين نفس المكوّنين الرئيسيين في هوّيتها التاريخية : النزعة القومية والدين؟ وهذا حقيقي تماماً. إن الذين يرّوجون للفكرة الزائفة القائلة، إن إيران الحديثة تشكل خطراَ مزدوجاّ ( قومياً ومذهبياً ) على العرب، لا يعرفون أي شئ عن طبيعة التوتر التاريخي بين المكوّن القومي والمكوّن الديني- المذهبي في هويتها، وهو متواصل ومستمر منذ انهيار الدولة الصفوية. في عام 1500م وبعد انتصار الحركة الصوفية- الإسلامية السجلوقية واستيلائها على المزيد من الأراضي الإيرانية، كان القوميون الفرس يدفعون بإتجاه أن يغلب الطابع القومي على شكل الدولة الحديثة ودورها، بينما سعى خصومهم إلى غلبة المكوّن المذهبي.وهكذا، تفجرّ- مع انتصار الحركة الصفوية- صراع مرير بين المكوّنين التاريخيين في الهويّة الإيرانية.

مرّ هذا الصراع بأربع مراحل كبرى:
المرحلة الأولى : صراع الحركة الصوفية - الإسلامية ( المسمّاة الصفوية ) مع القوميين الفرس.اتسم الصراع طول قرنين متواصلين من 1500 حتى عام 1700م، بكونه صراعاً مرّكباً ومتشابكاً اختلطت فيه الروح القومية بالتطلع إلى إيديولوجيا دينية تكون عقيدة الحكم. وفي نطاق هذا الصراع، شعر الفرس وهم الأغلبية السكانية في إيران، أن الأسرة الصفوية بجذورها السجلوقية ( التركية) تعمل على إقصاء المكوّن القومي الفارسي، والإعلاء من قيمة وشأن المكوّن الإسلامي المذهبي، ورأوا في محاولات الشاه إسماعيل ثم الشاه عباس(عباس الأول 1571 - 1629 ويعرف باسم عباس الأكبر) لا مجرد محاولة لامتلاك إيديولوجيا دينية تساند تطلعاته لدحر العثمانيين الأتراك؛ بل سياسة ممُنهجة لإقصاء البعد الفارسي كلياً. وهذا ما أثار حفيظة القوميين الفرس. في الواقع لم يكن من مصلحة الحركة الصفوية بما أن جذورها سلجوقية- تركية، أي حركة (غرباء) و( أجانب) أن تعليّ من شأن القومية الفارسية، وعلى العكس من ذلك،وجدت- بعد انتصارها واستيلائها على إيران- أن من مصلحتها أن يغلب المكوّن الديني- المذهبي، فهذا وحده ما يؤمن لها نوعاً من الإندماج الاجتماعي بالسكان الأصليين. وهكذا، وحين جرى التخلي عن الخطاب الصوفي- الإسلامي القديم، تلاشت الحركة وجرى رسمياً اعتناق المذهب الأثني عشري، وليصبح هو المكوّن الغالب على الدولة. في هذه الحقبة هُزم القوميون الفرس وتلاشت أحلامهم. لقد لعب اعتناق الصفويين للمذهب الشيعي – الأثني عشري، دوراً مركزياً في تحفيز شعور الأمة الإيرانية لمواصلة الصراع ضد العثمانيين في تركيا، وكان من شان ذلك، أن الصراع اتخذ طابع صراع مذهبي سني- شيعي استمر نحو 4 قرون متواصلة فوق أرض العراق ( حتى 1900م). ومع ذلك، فقد كان البُعد الحقيقي للصراع واضحاً وصريحاً ، فهو صراع أمتين قويتين، إيرانية وتركية حول المصالح الاستراتيجية الكبرى في المنطقة، ولم يكن الطابع المذهبي سوى أداة في هذا الصراع.

المرحلة الثانية : القاجاريون وتوازن القومية والمذهب . إذا كان العصر الصفوي عصر تغليب المذهب الشيعي على القومية الفارسية؛ فإن عصر الأسرة القاجارية التي استولت على السلطة، كان على العكس من ذلك، عصر التوازن بين المكوّنين. كان القاجاريون من القبائل التركمانية القوية التي تمكنت من الاستيلاء على أجزاء واسعة من إيران.في عام 1719 م زحف هؤلاء بدعم من الأفغان السنّة بقيادة الغلزاي (گلزاي) على مملكة الصفويين. وفي عام 1722 م استولوا على أصفهان وقاموا بخلع الشاه حسين ثم أعدموه سنة 1726 م. في هذه الحقبة عاشت إيران حكماً مزدوجاً يتقاسمه الزند والأفشريين، أي السنّة من اصول أفغانية مع الصفويين السلاجقة القاجاريين الأتراك، حتى أن الغلزاي أنشأ 1736م حكومة ظل صفوية شكلية على راسها شاه من الأسرة الصفوية مجرّداً من السلطة.

وفي هذا الوقت انتقلت السلطة كلياً إلى القاجاريين. كان القاجاريون يلاحظون أن مشكلة الهويّة الإيرانية، تتمثل في التوتر القائم بين المكوّنين القومي والمذهبي، ولذا عملوا على إحداث نوع من التوازن يمكنّ الدولة من الإمساك بجناحي المجتمع الإيراني: القوميون والمتدّينين، ولذا تجنبوا فرض أي طابع قومي او مذهب على شكل الدولة ودورها.

وكما يلاحظ، فقد عاشت إيران طوال هذه القرون في قلب صراع بين المكوّنين الفارسي والمذهبي، ولم تكن هناك أي ظلال لأطماع فارسية في الصراع ضد تركيا العثمانية أو أيّ مطامع ( مذهبية)؟

المرحلة الثالثة : سقوط القاجاريين وصعود الأسرة البهلوية . لكن القاجاريين، وبالرغم من صلاتهم الطيبة مع الإنجليز( شركة الهند البريطانية ) لم يصمدوا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، واهتز عرشهم عام سنة 1925 حين قام رئيس الوزراء رضا خان بهلوي بخلع الشاه القاجاري أحمد ميرزا واتخذ لنفسه لقب الشاه. كان رضا خان قومياً فارسياً يكنّ كراهية شديدة لرجال الدين، ولذا سعى إلى تغليب المكوّن القومي على المكوّن المذهبي. وكان من الواضح أن العداء لرجال الدين الشيعة في عهد الشاه الأب ، ثم الإبن، هو تجسيد بليغ لهذا التوتر التاريخي بين المكوّنين.وحتى عام 1979 ومع سقوط شاه إيران محمد رضا بهلوي، لم تشكل إيران أي ( خطر شيعي ) على العالم العربي ( السنيّ ). كانت الفارسية والشيعيّة تتصارعان في قلب إيران وتصبحان مع الوقت موضوعاً داخلياً، لكنهما لم يصبحا قط، ولا في أي وقت ( سياسة رسمية ) إزاء العالم العربي.

أثناء الصراعات والأزمات الكبرى، سوف يبدو أمراً مستحيلاً فهم سلوك أي بلد أو قوة إقليمية- دولية ، واستخلاص النتائج الصحيحة من سياساتها إزاء هذه المسألة أو تلك، إلا إذا كان هناك فهم عميق يرتكز إلى معرفة علمية حقيقية بطبيعة تكوّينها التاريخي (وهويتّها) وبنوع وطبيعة المصالح التي تثير اهتمامها، وما هي العوامل الدافعة في هذا السلوك. إن فهم ( الآخر) فهماً صحيحاً هو الذي يساعد على اتخاذ الموقف الصحيح. والحال هذه؛ فإن فهم إيران أصبح اليوم حاجة ملّحة قبل أن تضيع الفرصة وينزلق العرب في وهم الصراع ضد خطر لا وجود له بديلاً عن مواجهة الخطر الحقيقي؟

لقد خلق الأعداء الحقيقيون لنا، ولأجلنا (عدوا وهمياً ) ينتابنا الهوس ونحن نحاربه، بينما هم ينعمون بالهدوء ويقهقهون لرؤيتنا وقد أصبحنا نحارب طواحين الهواء، مثل دون كيشوت في رواية سرفانتس الرائعة. وهم يأملون، بالطبع، أن يتواصل ( وهمْ العدو) هذا، والصراع المرير والدامي ضده مئة عام أخرى؟
المزيد...

هل علينا ان نحارب اليمن؟

شعار حركة انصار الله (الحوثيون) 

لم أكن اعلم حين كتبت على عجالة تدوينتي السابقة بان السعودية كانت تحضر طائراتها لقصف اليمن خلال ساعات. لذا فقد كنت اعبر على عجالة عن رؤيتي للواقع في المنقة وقد لا يكون ما طرحته قد رسم صورة واضحة عن رؤيتي.

أولا أرغب بتوضيح القواعد التالية والتي أرى انها اساسية للتعامل مع الواقع الحالي في المنطقة:
  1. هناك فرق بين الشعوب والحكومات ومواقفنا السياسية تختص بالحكومات لا المواطنين ذلك أن شعوب المنطقة بالعموم مضطهدين من اقليات تحكم الدولة وتتحكم بمصير الشعوب وقراراتها. وعليه فإن الشعب اليمني والايراني والعراقي والسعودية وجميع شعوب المنطقة يعانون الالم نفسه.
  2. لا يحق لنا الاعتداء على الآخرين لاتجاهاتهم الفكرية ومعتقداتهم او حتى لانهم يظهرون لنا العداء السياسي إلا ان اعلن هذا الطرف الحرب او اعتدى علينا. ولذا فإن تأيد ضرب داعش يأتي لانها اعتدت على دول المنطقة واعلنت الحرب عليها وليس لانها مختلفة عنا بالتوجهات او لانها تنتمي لتيار ديني معين.
قبل يومين القى حسن نصرالله خطابا يوضح فيه وجهة نظره المؤيدة لايران وبغض النظر عن رأينا في حسن نصرالله وحزب الله الا انه طرح نقطة مهمة تجاه الاحداث الحالية في اليمن والوطن العربي. 

إن توسع ايران جاء لسببين اساسيين أولها، كما قال نصرالله، إننا كدول وحكومات عربية (تنابل) أي أننا كسالى ولا نقوم بواجباتنا تجاه الدول المحيطة لنا وتجاه معتقداتنا. ثانيا أننا لسنا فقط تنابل بل إننا نعمل بشكل او بآخر ضد اخواننا في المنطقة ونحاول ابتزازهم والضغط عليهم بل وفرض قراراتنا عليهم.

وبالعودة بالزمن لحرب الخليج الأولى عام 1980 بين العرق وايران فإن الخليج العربي قدم دعم كبير للعراق لمحاربة ايران ذلك أن الخليج العربي يعتبر ايران ما بعد الثورة الاسلامية فيها عدوا خطيرا رغم ان ايران كانت قد استولت على جزر طنب من الامارات العربية قبل الثورة الاسلامية ،ايام الشاه، ولم يكن عمر الثورة الاسلامية في ايران اكثر من عام حيث حصلت الثورة عام 1979 وبدأت الحرب عام 1980 (حرب الخليج الاولى).

بعد عشر سنوات انقلب السحر على الساحر واتجهت العراق نحو غزو الكويت وانتقلنا نحو حرب الخليج الثانية وبعدها بحوالي 11 عام ساندت دول الخليج كافة ومعظم دول المنطقة امريكا بحربها على العراق حيث سقطت بغداد بسرعة ولم تصمد.

وهنا علينا أن نوضح أن ايران لم تشارك بالحرب ضد العراق وان الجيش الامريكي دخل بدبابته وقصف بطائراته دولة سنية من أراض سنية وان من دخل على الدبابة الامريكية من الحدود السعودية هم من حكموا العراق لاحقا وهم من اتهموا بالتأمر الشيعي على العراق لاحقا أمثال الجلبي والمالكي. ولمن ينظر للامور بطريقة طائفية فإن من حطم النظام السني، بقيادة صدام، احل مكانه نظام شيعي هي امريكا والسعودية وليست ايران. ولكن بما ان العراق تحول بعد سقوط بغداد لساحة معركة ومن يحصل عليها يتمكن من الآخر فإن النزاع بين الخليج العربي من جهة وايران من جهة أخرى انتهى بانتصار ايران وتثبيت اقدامها في العراق لانها استطاعت تقديم الدعم للقيادات في حين تخاذل العرب وتركوا العراق لامريكا.

كذلك الحال بالنسبة لما حصل في اليمن فمع ثورات ما يسمى بالربيع العربي فقد واجه الشعب اليمني صعوبات كثيرة حتى تمكن من اسقاط علي عبدالله صالح إلا ان السعودية والتي لا تقبل بنظام خاضع لسيطرتها في اليمن لم تكن لتقبل خروج صالح الا بدخول حزب التجمع اليمني للإصلاح وهو حزب اخواني وقيادته مثل عبد الله بن حسين الأحمر كانت تحت السيطرة السعودية (حزب التجمع اليمني للإصلاح). وذلك ما جعل الاخوان المسلمين وقطر التعاون مع السعودية رغم خلافات الكبيرة التي حصلت في بينهم مع ما اسموه الانقلاب على الشرعية في مصر.

لذا فإن اي طرف في اليمن لا توافق عليه السعودية او الاصح لا يكون خاضع لها، سواء كان مدعوما من ايران او غير مدعوم منها، ستكال له الاتهامات بالعمالة مع ايران خاصة وسيوضع تحت دائرة الشك الشيعية كما حصل مع سوريا ذلك اننا في السنوات الماضية صنعنا بعبعا كبيرا اسميناها ايران الفارسية الشيعية وألقينا عليه جميع التهم والمخاوف.

والحقيقة أن هناك ثلاثة مشاريع قائمة في المنطقة وهي المشروع الايراني والمشروع الوهابي السعودي ومشروع تركيا العثامنية بقيادة أردوغان فلم لا نخاف من مشروعين صنعو وصمموا داعش ونخاف من مشروع ايران؟ في مقالات أخرى لاحقة سأوضح خطورة المشاريع الثلاثة مجتمعة.

إن ما يسمون الحوثييون او حزب انصار الله ليسو شيعة بل فيهم من جميع الطوائف اليمنية وهم بالاكثر من الطائفة الزيدية. وحسب خطاب نصرالله  فلم يكن حتى هو يعرفهم الا من خلال الاعلام حتى وقت قريب. أي أن الحوثيين حين وجدوا من انفسهم محاصرين اتجهوا لايران التي استطاعت استقطابهم لا لأسباب طائفية كما يدعى ولكن لاسباب سياسية. ذلك ان اليمنين وجدوا انفسهم بين خيار سيطرة الاخوان المسلمين على الدولة كما حاولوا ان يفعلو بمصر وبين الهروب منهم لاحضان ايران. وعلى ما يبدو فإن ايران استطاعت اقناعهم بأنها ستقدم لهم الحلول الافضل.(حركة انصار الله)

إن الحوثيين استطاعوا السيطرة على معظم اليمن دون معارك تذكر واستطاعوا ايضا الضغط على الرئيس هادي، الذي هرب لاحقا لعدن وبعدها لخارج اليمن، لتقديم استقالته فهل من الممكن ان تكون فئة ضالة قليلة العدد، كما يروج في الاعلام، قادرة على السيطرة على كل هذه المناطق بهذه الطريقة وبهذه السرعة؟ أم انهم يشكلون الفئة الاكبر في اليمن؟ ولما وقف الجيش اليمني بمعظمه معهم ولم يقف مع هادي؟

إن كنا حقا نرغب في استعادة اليمن فعلينا ان نوقف الحرب عليها مباشرة ونساهم في خلق نظام يمني حر أما الترويج  لوقوف الاردن ومصر وغيرها من الدول في صف السعودية، او لنكون أكثر دقة تحت قيادة السعودية، في الحرب ضد الحوثيين فهو ترويج لدخولنا في محاور النزاع في المنطقة والتي ستدخلنا في حرب دموية ضد اخوتنا لا لحمايتنا من التمدد الايراني بل لتسليمنا كلقمة سائغة للتمدد الوهابي والتمدد العثماني.
المزيد...